شارك الخبر
لم تكن مجرد مكالمة عادية تلك التي رنّ فيها هاتفي في ذلك اليوم من عهد محافظ أبين، المهندس فريد مجور. كان الطرف الآخر هو بدالة المحافظ، والرسالة مقتضبة وحاسمة: “عليك القدوم حالاً إلى بيت المحافظ في الكود!”.
كنت حينها بعيداً عن صخب السياسة والصحافة ، برفقة أخي وصديقي الأعز عادل بن سبعة (أمين عام محلي رصد) في مزرعتهم في احضان جبل لحبوش اعتذرت للبدالة ببعد المسافة، لكن المفاجأة كانت حين دخل المحافظ على الخط بنفسه قائلاً بنبرة حملت الكثير من الغموض: “تعال حالاً.. معنا النائب (عبد ربه منصور هادي)، ولكن لا تخبر أحداً!”.
أغلقت الخط والأسئلة تدور في رأسي. التفتُّ إلى عادل، فقال دون تردد: “سأوصلك بسيارتي، لكن استأذن لي في الدخول معك”. عاودت الاتصال بالمحافظ، فجاء رده مرحباً: “هات معك عادل”. لثقتي بمعزته لعادل
انطلقنا نسابق الزمن، نصارع أسوام ومنعطفات طين جبل لحبوش وصولا إلى جعار ومنها إلى “الكود”. لكن الطرقات والمسافات فرَضت حُكمها؛ فلم نصل إلى مقيل المحافظ إلا واللقاء المشهود يقترب من نهايته. دخلتُ وأنا وعادل في اللحظات الأخيرة، متأخرين، بالتزامن مع آخر المتحدثين في ذلك المجلس المحدود والمهيب، الذي ضمّ حينها: محمد حسين الدهبلي (رئيس فرع المؤتمر بالمحافظة)، ومحمد الحاج سالم، ومدير الأمن “القحم”، م. الخضر محمد ثابت (مدير كهرباء أبين)، والعم ناصر منصور هادي (وكيل الأمن السياسي).
حين فرغ المتحدث الأخير من كلامه، شعرتُ برغبة جارفة في ألا تمر هذه الفرصة التاريخية هباءً. طالما وقد حضرتُ -وإن كان متأخراً- فلابد من الإدلاء بدولي. رفعتُ يدي طالباً الإذن بالحديث.
هنا، ساد صمتٌ شابَه التحفظ، وحاول بعض الحاضرين إثنائي قائلين: “ما في داعي.. نريد أن نسمع من حضرة النائب والوقت شارف على الانتهاء”.
لكن المفاجأة جاءت من النائب نفسه؛ التفت فخامته إليّ وبنبرة حاسمة قطعت محاولات الإثناء قال: “خلوه يتكلم.. نحن جئنا نسمع منكم”. ثم أضاف ملتفتاً إليّ بكل أبوّية: “تكلم يا ولدي”.
أسرع المحافظ يقدمني لسيادته: “هذا أحمد، صحفي وكاتب في صحيفة الأيام”.
وقفتُ والأنظار كلها تتجه صوبي، فقلتُ مباشرة: “شرف كبير لنا اللقاء بسيادتكم، وأشكرك على سعة صدرك وإتاحة الفرصة. نحن نتكلم معكم هنا بصفتكم ثاني مسؤول في الدولة أولاً، وابن أبين ثانياً”.
تابعتُ والكلمات تخرج ساخنة من قلب المعاناة: “أبين يا سيادة النائب ظلت تدفع الثمن في مختلف المنعطفات السياسية قبل وبعد الوحدة، بينما يصفها الرئيس والإعلام الرسمي بـ (بوابة النصر). ومادامت كذلك، فهي تحتاج أن يكون النصر في تحقيق مشاريعها الاستراتيجية الكبرى، التي ستكون مفتاح التحول لإخراجها من بؤرة الصراعات وثمنها المؤلم”.
أردتُ أن أضع النقاط على الحروف، فأضفت بجراءة: “المشاريع المنفذة في المحافظة ظلت لا تتعدى بناء مدرسة، أو بضعة فصول، أو رصف شوارع في جعار وزنجبار، أو حفر بئر بدعم المنظمات.. وسجن أسميته (جوانتانامو أبين) على الخط العام، وفي الطرف الآخر سور الأمن المركزي بطول 4 كم!”.
هنا تململ البعض من متاكيهم ، وقاطعني أحدهم بنبرة حادة: “اختصر! أيش تريد تقول؟”، بينما رمقني آخرون بشَزر. لكن النائب حسم الموقف مرة أخرى؛ تدخل بقلبة وجه وقال بصرامة: “تكلم يا بني، تكلم.. كلامك حق وأنا متابع لما يجري”.
أعطتني كلماته دفعة قوية، فشكرته وواصلت: “فخامة النائب، أبين لا تحتاج مشاريع صغيرة، تحتاج مشاريع بحجم وزنها السياسي ومكانتها”.
سألني بتركيز: “مثل أيش؟”.
سردتُ له قائمة المطالب المعلقة في وجدان المحافظة:
مصنع أسمنت باتيس: الذي وُضع حجر أساسه في أول خطة ثلاثية بعد الاستقلال ولم يرَ النور.
طريق باتيس – رصد.
مشروع الصرف الصحي لمدينتي زنجبار وجعار.
الربط الكهربائي (جعار – شقرة – لودر).
فتح كليات إضافية لجامعة عدن في أبين.
العمل على عودة واستيعاب العسكريين الذين اقصوا من أعمالهم بسبب حرب 94م
واختتمتُ كلامي قائلاً: “فخامة النائب، أنت معنيٌّ بهذه المطالب المشروعة ليس بكونك أبن أبين بل وثاني قيادي في الدولة “. وفي تلك الأثناء، تقدّم زميلي عادل سبعة مسلّماً مجموعة من الملفات التي تحتاج توجيه فخامته لتكتمل الصورة.
أتذكر جيداً كيف كان فخامته يستمع إليّ بتركيز شديد، ويدوّن بقلمه في مذكرته بعض ما قلته. وحين انتهيت، وضع قلمه، وأبقى مذكرته مفتوحة، ونظر إلى الحاضرين وقال: “أولاً، أنا شاكر لك على كل ما قلته.. ونحن نريدكم في حضرة أي مسؤول يأتي من صنعاء -سواءً الرئيس أو النائب أو رئيس الوزراء- تطرحوا مثل هذا الكلام، ماذكره الصحفي حق من حقوقكم وسنكون إلى جانبكم”. ومضى في الردود
مصنع أسمنت باتيس سترون في القريب العاجل توقيع اتفاقية تنفيذه مع مستثمرين سعوديين ومحليين . طريق باتيس – رصد وضع حجر الأساس لها من عهد الرئيس سالمين وقبل فترة جأني وفد من مديريات يافع الى صنعاء وكلفنا وزير الأشغال البحث عن مقاول يبدأ على أن يبحث لها عن تمويل من الصناديق أو الدول الداعمة فقاطعته قائلا : أنا من ضمن الوفد . مشروع مياه الصرف الصحي زنجبار جعار اعتماده حول للأسف بقدرة قادر إلى حجة ضمن أساليب تعرفوها ماشي داعي لمكلام . كهرباء جعار شقرة قال لمدير الكهرباء الى أين وصلتوا رد المهندس الخضر محمد ثابت الدراسات مسلمة إلى وزارة الكهرباء وجاهزة قالوا لنا سيتم اعلان المناقصة قريبا . وعن عودة استيعاب العسكريين وقبل إن يتكلم زفر زفرة وقال هذا الملف محصور في دائرة مغلقة انا ماقدرت أعيد كشف فيه سبعين عسكريا . دون أن يمضي في التفاصيل بمعنى والحليم تكفيه الإشارة .
خرجنا يومها من مقيل الكود، وأصوات الكلمات لا تزال تصدى في المكان، حاملةً آمال أبين التي وُضعت -بكل جسارة- في صدارة مفكرة نائب الرئيس. وصلت بيتي في جعار وإذ بالمحافظ بعد ساعتين يهاتفني وفي بالي سيعاتبني عم قلته ولكنه على العكس من ذلك أشاد بماطرحته وكنا قريبين من بعض وأضاف أن فخامته أسر عليه معجبا بماتناولته وطلب منه مزيدا من الإيضاح عن سجن( جوانتانامو أبين ) الذي عنونت مقال لي عنه في الصفحة الأخيرة من صحيفة الأيام ويومها أثار ضجة كبرى ماحدى بالسلطة العدول عنه كسجن وأتذكر أن مدير الأمن السياسي الجوبي ناقشني عن هذا المقال بحضور المحامي زميلي نبيل العمودي وأمامه مقالي وعلى بعض العبارات خطوط حمراء فقال لي : أسالك واجب بصراحة هل توجد دولة في العالم ماتبني سجون ؟ قلت لا طبعا ولكن أعتقد أن لدينا مايكفي في زنجبار وجعار منها من عهد بريطانيا ولعلمك دولة الاشتراكي لم تبن سجنا . ولو افترضنا أن لذلك ضرورة فمن غير المعقول تبنيه على الخط العام وعلى مدخل عاصمة المحافظة ضحك وقال هذه معك حق ومع ضحكته وضحكة العمودي تشجعت وزدت وهل تتوقع مني ككاتب امتدح سجنا نحن والسجون على طرفي نقيض .. ومايحز في النفس أن تشييد سجن جوانتانامو أبين التهم ميزانية المحافظة لعام كامل اجحظ بعينيه مستغربا كيف هذا ؟ ولكن بداهة المحامي العمودي سارعت لتأكيد ماقلت ثم مضيت بالقول عد إلى محاضر اجتماعات محلي المحافظة ومن موقعكم في استقرأ مايطرحه الرأي العام اتنمى أن ترفعوا إلى القيادة في صنعاء متطلبات أبين ذات الأهمية في حياة السكان والمجتمع الأبيني ساردا ماطرحته سلفا في اللقاء بالرئيس عبدربه النائب حينها وبالطبع كان كلامي مع الجوبي قد سبق اللقاء بهادي ورغم تفهم الجوبي لماطرحته لكن هذا لم يشفع لي عند علي الصامت الذي شغل رئيس النيابة العامة محافظة أبين ثم رقي إلى المدعي العام للجمهورية وذات مرة استغل دخولي مع زميلي نبيل العمودي إلى مكتبه وتصنع أن دخولي بغير أذنه حتى أمر حراسه باصطحابي إلى سجن زنجبار ومشددا عليهم بإبلاغ مدير السجن العميد ركن صالح جبران بايداعي الزنزانة قلت للجنديين أحدهم على شمالي والأخر على اليمين لاعليكم سأذهب معكما. أوصلاني إلى مدير السجن وابلاغاه بما قاله الصامت لكني وجدته على العكس من ذلك أجلسني على مقعد بجانبه وطلب لي شاي وماء مستغربا من طريقة تعامله معي وانا متهيأ لأجواء الزنزانة قال لي لاعليك لاتقلق اذا يريد سجنك فليتكب بالمكتوب رن هاتف مدير السجن وإذ بالصامت يقول له أدبه رد بكل ثقة كيف أسجنه وعلى ماذا أسجنه؟! نحن نلتزم بالقانون. انبلجت اساريري من موقف مدير السجن الذي لم يحصل لي الشرف اللقاء به في أي يوم من الأيام وكنت أراه من بعيد بعبعا الابتعاد عنه بمقدار 100 قدم .
المهم على إثر مشادة أنهى كلامه مع رئيس النيابة بالقول أكتب لي بالمكتوب وهات ملف قضيته وسأسجنه وفقا للقانون . اغلق الصامت الخط ودون أن يكتب فقال لي جبران أتفضل روح إلى بيتك قلت لن أخرج الا برد اعتباري ضحك وقال أسمعني أحمد الله انك وقعت في يدي خلاص سأروحك بسيارتي ونزولا عند رغبته صعدت إلى سيارته ومضينا إلى جعار رحمة الله عليه دنيا وآخرة ومن يومها صرنا صديقين وامتدت صداقتي لأخيه زيد ونجله عصام .
أحمد يسلم