شارك الخبر
في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجه قطاع المياه في محافظة أبين، تتزايد المخاوف من استمرار استنزاف المخزون الجوفي وتراجع منسوب المياه العذبة بصورة مقلقة، ما يهدد الأمن المائي والزراعي في واحدة من أهم المناطق الزراعية في اليمن. وبين الحفر العشوائي، والتوسع غير المنظم في زراعة الموز، وضعف مشاريع تغذية الأحواض الجوفية، وتزايد الضخ إلى مناطق خارج المحافظة، تبرز الحاجة الملحة إلى تدخلات عاجلة تستند إلى دراسات علمية ورؤية استراتيجية للحفاظ على هذا المورد الحيوي.
وفي هذا الحوار الخاص مع الصحفية ابتسام ناصر، يكشف مدير فرع الهيئة العامة للموارد المائية بمحافظة أبين حسين أبوعلوة الفضلي، تفاصيل الواقع المائي في دلتا أبين، وأبرز المؤشرات التي تؤكد تراجع المياه الجوفية، كما يتحدث عن التحديات التي تواجه الهيئة، والحلول المطلوبة لإنقاذ الحوض المائي من الاستنزاف المتواصل.
وأكد مدير فرع الهيئة العامة للموارد المائية بمحافظة أبين، حسين أبوعلوة الفضلي، أن حماية المياه الجوفية من الاستنزاف والتلوث ومكافحة الحفر العشوائي تمثل المهمة الأساسية التي أنشئت من أجلها الهيئة العامة للموارد المائية، محذراً من مؤشرات مقلقة تدل على انخفاض منسوب المياه الجوفية في دلتا أبين خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح الفضلي أن الهيئة تنفذ بشكل دوري مشروع مراقبة المياه الجوفية عبر شبكة تضم 28 بئر مراقبة موزعة في مختلف مناطق دلتا أبين، حيث تقوم فرق فنية متخصصة بقياس مناسيب المياه وأخذ عينات لفحص الملوحة والحموضة ومؤشرات التلوث، قبل إخضاع النتائج لدراسات وتحليلات هندسية متخصصة لتقييم وضع المخزون الجوفي ومعدلات الاستنزاف والتغذية. الا ان هذه المشاريع توقفت بسبب انعدام الموازنه التشغيلية لمكتب الهيئة منذو سنوات ولم تتلقئ الهيئة اي دعم من الدوله او السلطه المحليه للان من أجل تنفيذ انشطه الهيئة ومنها مشاريع المراقبه ومحاربه الحفر العشوائي في الدلتا وعمل برامج توعيه لكافه المزارعين بترشيد استخدام المياه في ري المحاصيل واستخدام شبكات الري الحديثه
وأشار إلى أن الهيئة تعتمد على المقارنة بين نتائج القياسات قبل وبعد مواسم السيول لتحديد حجم التغذية الطبيعية التي تتلقاها الأحواض الجوفية، مؤكداً أن نتائج الدراسات تشير إلى وجود تحديات حقيقية تتطلب معالجات عاجلة للحفاظ على الموارد المائية.
وحول أسباب تراجع منسوب المياه الجوفية، أوضح الفضلي أن ضعف مصادر التغذية الطبيعية للحوض المائي يأتي في مقدمة هذه الأسباب، لافتاً إلى محدودية هطول الأمطار وغياب السدود التجميعية الفاعلة، إضافة إلى تدهور شبكة قنوات الري والعقم الترابية التي كانت تسهم سابقاً في احتجاز مياه السيول وتغذية الخزان الجوفي.
وأضاف أن إهمال صيانة قنوات الري خلال السنوات السبع الأخيرة أدى إلى تدفق السيول مباشرة نحو البحر دون الاستفادة منها في تغذية المياه الجوفية، الأمر الذي انعكس سلباً على مخزون المياه في دلتا أبين.
كما حمّل الفضلي الحفر العشوائي جانباً كبيراً من المسؤولية في استنزاف المياه الجوفية، مؤكداً أن الهيئة بذلت جهوداً واسعة لمكافحة هذه الظاهرة رغم محدودية الإمكانات وانعدام الموازنة التشغيلية منذ تأسيس المكتب.
وقال إن الهيئة قامت بالإبلاغ عن العديد من الحفارات المخالفة، إلا أن ضعف إجراءات الضبط وعدم استمرار الاحتجاز وغياب الدعم اللوجستي للأجهزة الأمنية حال دون الحد من هذه الظاهرة بالشكل المطلوب.
وفي سياق متصل، حذر الفضلي من التأثيرات السلبية للتوسع الكبير في استخدام منظومات الطاقة الشمسية في القطاع الزراعي دون ضوابط مائية واضحة، موضحاً أن مجانية الطاقة شجعت على زيادة ساعات الضخ واستهلاك المياه بصورة مفرطة، ما أسهم في تسريع وتيرة الاستنزاف.
وكشف عن مؤشرات ميدانية تؤكد تراجع المخزون المائي، حيث ارتفعت أعماق الحفر اللازمة للوصول إلى المياه العذبة من نحو 45 متراً في بعض المناطق إلى ما يقارب 120 متراً حالياً، معتبراً ذلك مؤشراً خطيراً يستوجب التحرك العاجل.
وأشار كذلك إلى أن التوسع المتسارع في زراعة الموز أصبح أحد أبرز عوامل الضغط على الموارد المائية، نظراً للاحتياج الكبير لهذه الزراعة للمياه على مدار العام، إضافة إلى تشغيل الآبار لساعات طويلة باستخدام الطاقة الشمسية والكهرباء.
وانتقد الفضلي عمليات التوسع في ربط المشاريع السكنية الجديدة في منطقة العلم بالمياه الجوفية، إلى جانب استمرار ضخ المياه إلى محافظة عدن، معتبراً أن مثل هذه الإجراءات يجب أن تستند إلى دراسات علمية متخصصة تحدد قدرة الحوض المائي على تلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية.
وأوضح أن آخر دراسة متكاملة لمراقبة مناسيب المياه الجوفية نُفذت عام 2023 بدعم من منظمة إنقاذ الدولية، مشيراً إلى الحاجة الملحة لتنفيذ دراسة جديدة تمكن من مقارنة المؤشرات الحالية بالبيانات السابقة وقياس حجم التغيرات التي طرأت على المخزون المائي خلال السنوات الأخيرة.
وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات تشمل مكافحة الحفر العشوائي، وإعادة تأهيل قنوات الري والعقوم الترابية، وترشيد استهلاك المياه الزراعية، وتوسيع استخدام شبكات الري الحديثة، وإعادة تقييم سياسات الضخ خارج المحافظة، إضافة إلى ضبط التوسع في الزراعات المستهلكة للمياه ومنها شجره الموز
وفي ختام حديثه، وجه الفضلي نداءً إلى السلطة المحلية ووزارة المياه والبيئة بضرورة دعم فرع الهيئة العامة للموارد المائية بمحافظة أبين بالموازنات التشغيلية والتجهيزات الفنية اللازمة، مؤكداً أن الهيئة تمتلك كوادر هندسية متخصصة قادرة على تنفيذ برامج الرصد والحماية والإدارة المستدامة للموارد المائية متى ما توفرت الإمكانات المطلوبة.
وتكشف المعطيات التي عرضها مدير فرع الهيئة العامة للموارد المائية بأبين حجم التحديات التي تواجه القطاع المائي في المحافظة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المخزون الجوفي نتيجة عوامل طبيعية وبشرية متداخلة. وبين التحذيرات من استمرار انخفاض المناسيب والدعوات إلى تبني حلول علمية ومستدامة، يبقى مستقبل الأمن المائي في دلتا أبين رهناً بمدى قدرة الجهات المعنية على التحرك السريع لحماية هذا المورد الاستراتيجي قبل بلوغه مراحل أكثر خطورة يصعب تدارك آثارها مستقبلاً.