شارك الخبر
طمّاع بن جحنون..استعارة سياسية كبرى
—————–
من أسرار عبقرية الشاعر الحضرمي الكبير حسين أبوبكر المحضار أنه لم يكن يكتب الحكاية كما وقعت فحسب، بل كما يمكن أن تتسع لها المخيلة الإنسانية. كان قادراً على أن يلتقط حادثة صغيرة من تفاصيل حياته اليومية ثم ينفخ فيها من روح الشعر حتى تتحول إلى رمز يتجاوز زمانها ومكانها وأبطالها الحقيقيين.
ولعل قصيدة «طمّاع بن جحنون» تمثل نموذجاً بديعاً لهذه القدرة النادرة.
ففي ظاهر النص تبدو الحكاية بسيطة؛ سيارة غرزت في الرمال، ورجل استدعي لإنقاذها بواسطة الشَّيْوَل ، ثم وجد الشاعر نفسه أمام شخص استغل حاجته وطلب مقالاً مالياً مبالغاً فيه. إنها حادثة تتكرر كل يوم في حياة الناس. لكن المحضار لم يكن شاعراً يسجل الوقائع كما يفعل كاتب المحاضر، بل كان يحولها إلى مرايا تعكس ما هو أبعد من ظاهرها.
من هنا خرج ( طمّاع بن جحنون ) من حدود الشخص الفرد إلى فضاء الرمز.
فالطمع الذي واجهه الشاعر في موقف شخصي لم يعد طمع فرد واحد في مال شخص آخر، بل أصبح نموذجاً إنسانياً عاماً لكل من يرى حاجة الآخرين فرصة للابتزاز. ولهذا افتتح المحضار قصيدته بالحكمة الخالدة:
( يوم الطمع فضّاح.. من حصّل بنادم طمّعه ).
كأن الطمع عنده ليس سلوكاً فردياً فحسب، بل قوة كاشفة تفضح أصحابها مهما حاولوا التخفي وراء المبررات.
غير أن جمال النص لا يتوقف عند هذا المستوى الأخلاقي والاجتماعي، بل يمتد إلى مستوى آخر أكثر عمقاً وإثارة للتأويل. فاختيار اسم ( ابن جحنون ) لم يكن اختياراً عابراً من الناحية الفنية. فالاسم يحمل في الذاكرة البدوية والجزيرية أصداء قبائل ورجالات وشعراء معروفين، ومنهم الشاعر القحطاني المعروف ثلّاب بن جحنون. وهنا تتضاعف طاقة الرمز في القصيدة، لأن الاسم يخرج من حدود الشخص المجهول إلى فضاء جغرافي وثقافي أوسع.
وهذا ما جعل كثيراً من المستمعين يقرأون النص على مستويين في آن واحد( مستوى الحكاية الخاصة، ومستوى الإشارة العامة.)
فحين يتحدث المحضار عن شخص يطمع فيما ليس له، فإن المعنى لا يتوقف عند حدود منقذ السيارة الذي بالغ في أجره، بل يمكن أن يمتد إلى كل قوة أكبر تحاول استغلال حاجة غيرها للحصول على ما لا تستحقه. وهنا يكتسب النص بعداً سياسياً رمزياً يجعل ( طمّاع بن جحنون ) صورة قابلة للإسقاط على أطماع الدول والقوى والنخب والجماعات.
لقد كان المحضار سيداً في صناعة هذه المسافة الذكية بين التصريح والتلميح. فهو لا يرفع شعارات سياسية مباشرة، ولا يذكر أسماء، ولا يدخل في خطابات أيديولوجية جامدة، لكنه يترك الرمز مفتوحاً أمام القارئ. ومن هذه المساحة المفتوحة تنشأ إمكانية قراءة «ابن جحنون» بوصفه تجسيداً لكل طامع يتطلع إلى خيرات غيره، سواء كان فرداً يساوم على إنقاذ سيارة غارقة في الرمال أو قوة إقليمية تنظر إلى ثروات الجيران بعين الطمع.
وهنا تتجلى براعة المحضار الفنية. فقد نجح في خلق توازن نادر بين الخاص والعام. فالقصيدة لا تفقد صدقها بوصفها حكاية شخصية واقعية، وفي الوقت نفسه لا تنغلق داخل تلك الحكاية. إنها تشبه دائرة تتسع كلما أمعن القارئ في تأملها؛ تبدأ من سيارة عالقة في الرمال ( حسب الرواية المتداولة ) ، ثم تمتد إلى الإنسان الجشع، ثم إلى المجتمع، ثم إلى السياسة، ثم إلى العلاقات بين الأوطان نفسها.
ولهذا بقيت القصيدة حية في الوجدان الشعبي لعقود طويلة. فالأحداث العابرة تموت بانتهاء ظروفها، أما الرموز الحقيقية فتبقى لأنها قادرة على ارتداء وجوه جديدة في كل زمن.
لقد أدرك المحضار أن الشعر لا يخلّد الأشخاص بقدر ما يخلّد المعاني. ولذلك لم يبق في الذاكرة ذلك الشيوَل الذي أنقذ السيارة، بل بقي ( طمّاع بن جحنون ) رمزاً شعبياً واسع الدلالة. وبقيت القصيدة شاهداً على قدرة الشاعر الكبير على تحويل حادثة يومية صغيرة إلى استعارة إنسانية وسياسية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتؤكد أن أعظم الشعر هو ذلك الذي يبدأ من تفاصيل الحياة البسيطة لينتهي إلى أسئلة الإنسان الكبرى عن الطمع والحق والعدالة.
بقلم انور الحوثري