شارك الخبر
كتب : المحرر السياسي لدلتابرس
في دهاليز الصراعات السياسية ، ياما استخدمت الأنظمة المأزومة مصطلح التكفير و”الخيانة العظمى” كسلاح مسيّس، ليس لحماية الأوطان، بل لإزاحة الخصوم وليّ ذراع المشاريع الوطنية التحررية. واليوم، لا يبدو الاتهام الموجه لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، وقبله كل من نالتهم هذه التهمة المأزومة كعلي سالم البيض والعطاس وهيثم قاسم وصولا إلى عبدربه منصور هادي والأخير وقد نالها ليس لمنصبه بل لجنوبيته و لم تخرج عن هذا السياق؛
وكل هذا محاولات مكشوفة لتطويق مشروع استعادة الدولة الجنوبية. والمفارقة الصارخة هنا تكمن في “ازدواجية المعايير”، إذ لو رُفعت مسطرة القانون الحقيقي وجُردت مقومات هذه التهمة وطُبقت على شخوص في قمة هرم السلطة من رموز الجهوية الشمالية كصالح وعلي محسن والزنداني وصولا إلى رشاد العليمي وحلفائه، لوجدنا أن سياسات الغدر والخيانة والاغتيالات وصولا إلى ما أفضت إليه حرب الخدمات، وتجويع الشعب، ومصادرة القرار السياسي للجنوب، هي الأحق والأولى بالتوصيف الجنائي والوطني تحت بند الإضرار بالمصالح العليا. الأغرب من هذا أن سلطة شرعية العليمي لم تجروء على رمي تهمة الخيانة العظمى في وجه القادة الحوثيين بل ذهبت باتجاه أقوى حليف في هذا التحالف .
التاريخ، بوصفه المحكمة الكبرى للشعوب، يؤكد أن تهمة “الخيانة” غالباً ما تُصاغ في مطابخ الأنظمة المهتزة لضرب القادة الوطنيين الذين يستندون إلى عدالة قضايا شعوبهم. وفيما يلي نماذج تاريخية لقادة واجهوا هذه الكيدية وانتصرت قضاياهم في النهاية
1. نيلسون مانديلا (جنوب أفريقيا)
التهمة الكيدية: واجه مانديلا ورفاقه في “محاكمة ريفونيا” (1963-1964) تهمة الخيانة العظمى والتخريب الساعي للإطاحة بنظام الحكم.
الحجة والدليل: كان نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) يمتلك القوة المادية والقانونية، واعتبر نضال مانديلا من أجل المساواة تهديداً لـ “كيان الدولة”.
النتيجة التاريخية: سقط النظام العنصري، وتحول مانديلا من “خائن محكوم بالمؤبد” في نظر السلطة، إلى أب روحي للأمة وحائز على جائزة نوبل للسلام، لأن مشروعه كان يمثل إرادة الشعب لا رغبة النظام.
2. شارل ديغول (فرنسا)
التهمة الكيدية: بعد سقوط باريس عام 1940 وإعلان ديغول المقاومة من لندن، أصدرت “حكومة فيشي” الفرنسية (الموالية للمحتل الألماني) حكماً غيابياً بحقه يقضي بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى والتمرد العسكري.
الحجة والدليل: كانت حكومة فيشي تمتلك “الشرعية الدستورية” القائمة آنذاك، وكان ديغول في نظرها خارجاً عن القانون ومهدداً للاستقرار وصكوك الاستسلام.
النتيجة التاريخية: انتصرت المقاومة الفرنساوية، وسقطت حكومة فيشي في مزبلة التاريخ، وعاد ديغول رئيساً ومؤسساً للجمهورية الخامسة، وأصبحت “خيانته” المزعومة هي الوطنية الحق.
3. المهاتما غاندي (الهند)
التهمة الكيدية: واجه غاندي مراراً تهم “إثارة الفتنة” و”تقويض سلطة التاج البريطاني” (والتي توازي الخيانة العظمى في القوانين الاستعمارية)، وسُجن بسبب قيادته لمسيرات الملح والعصيان المدني.
الحجة والدليل: كانت بريطانيا تطبق قوانينها الصارمة لحفظ “وحدة أراضي الإمبراطورية”، معتبرة المطالبة بالاستقلال عملاً تخريبياً.
النتيجة التاريخية: رحل المستعمر، ونالت الهند استقلالها، وبقي غاندي رمزاً عالمياً للتحرر، بينما تلاشت شرعية القوانين الاستعمارية أمام عدالة القضية الهندية.
وفي النهاية
إن محاولة إلصاق تهمة “الخيانة العظمى” بالقادة الذين يحملون تطلعات شعوبهم خلفهم هي رصاصة طائشة ترتد دائماً على مطلقيها. فالشرعية لا تصنعها الحبر على ورق النخب المأزومة، بل تصنعها الجغرافيا، والتضحيات، وإرادة الشعوب على الأرض. وما أشبه الأمس باليوم؛ فكلما تهاوت أوراق المشاريع الالتفافية، رُفعت فزاعة القانون المسيّس، لكن التاريخ لا يرحم الضعفاء، والمنتصر في النهاية هو من يملك الأرض وعدالة القضية.