شارك الخبر
كان يومًا حارًا من أيام شهر محرم في السنة الحادية والستين من الهجرة، وقف سيد شباب أهل الجنة، الحسين بن علي، حفيد النبي محمد ﷺ، على أرض كربلاء. كان يعرف أنه سيواجه مصيره المحتوم.
إنه الرجل الذي كان يرى فيه الناس الأحق بالخلافة وأفضل الرجال في ذلك الزمان بلا منازع، لكن القدر جمع له بين الغدر والشجاعة في آنٍ واحد.
عندما تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، عاد الحسين معه إلى المدينة المنورة. كان الصلح مع معاوية رضي الله عنه يتضمن شروطًا صارمة، منها أن تبقى الخلافة شورى. ومع ذلك، عندما توفي الحسن عام 670م، بقي الحسين وصيًا على تلك الشروط، مؤمنًا بضرورة الوفاء بها.
بيد أن الأحداث تسارعت عندما توفي معاوية عام 60هـ، تاركًا الخلافة لابنه يزيد، في خطوة نقضت شروط الصلح. سعى معاوية بن أبي سفيان إلى توريث الحكم لابنه يزيد لضمان استقرار الدولة الإسلامية ومنع تكرار الحروب الأهلية والفتن. ورأى أن وحدة الأمة واجتماع كلمتها، خاصة مع تزايد المطالبين بالخلافة، أهم من ترك الخيار للشورى في ظل الانقسامات، معتمدًا على بيعة أهل الحل والعقد.
لكن الحسين رفض، ومعه نفر من الصحابة، مبايعة يزيد. كان يرى في يزيد شخصًا غير مؤهل للحكم، ورأى في مبايعته هو توريث للحكم و انتهاك صارخ لمبدأ الشورى.
لم تكن الأمور بهذه البساطة، فقد وصلت إلى الحسين رسائل من العراق تدعوه للقدوم والمبايعة. فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل للتحقق من جدية تلك الدعوات، وبالفعل بايع مسلم 12000 من أهل العراق. لكن الأمور تغيرت بسرعة عندما تولى عبيد الله بن زياد ولاية العراق، وقتل مسلم بن عقيل بعد خذلان أهل الكوفة له.
رغم محاولات الصحابي عبد الله بن عباس منع الحسين من الذهاب إلى العراق، إلا أن الحسين أصر على مواصلة الرحلة. دخل الحسين العراق، وعندما وصل إلى كربلاء وهو في طريقه إلى الكوفة، لقي جيشًا من 6000 مقاتل يقوده عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن. فقدم الحسين ثلاثة اقتراحات لحل الأزمة:
1- أن يذهب إلى الثغور لكي يجاهد هناك.
2- أن يذهب إلى دمشق لمقابلة يزيد.
3- أن يعود إلى المدينة المنورة.
ولكن والي العراق عبيد الله بن زياد رفض الاقتراحات الثلاثة، وأراد أن يأتيه الحسين ويكون تحت حكمه ويبايع يزيد. ومن هذا يظهر أن قتل الحسين كان قرارًا متخذًا، ورأوا أن الفرصة أتت، خاصة أن الحسين معه فقط العشرات من أهل بيته العزل، ووحيدًا في العراق بعدما خذله شيعته.
تم حصار معسكر الحسين ومنع عنه الماء في صحراء كربلاء الحارقة، وفي يوم من الأيام خرجت السيدة زينب -عليها السلام- وهي تحمل الطفل الرضيع وتقول لأخيها الحسين:
«أخي حسين، هذا ابنك عبد الله، قد دلع لسانه من شدة العطش، وكان بأبي ونفسي، له ثلاثة أيام لم يذق قطرة من الماء، فهل تأخذه يا أبا عبد الله لهؤلاء القوم كي يسقوه شربة من الماء، فإن أمه قد جف لبنها».
فخرج سيدنا الحسين إلى القوم واضعًا الرضيع بين يديه، ومناديًا بالقوم: إن كانت الحرب بيني وبينكم، فما ذنب هذا الطفل الرضيع أن تمنعوه من الماء؟! وكان يقبله وهو يقول: «ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد المصطفى خصمهم».
فاختلف معسكر بني سعد بين موافق على سقي الماء للطفل الرضيع وبين رافض لذلك، حتى ساد الهرج والمرج في أوساط الجيش.
وعندما أحس عمر بن سعد بالهمهمة واختلاف معسكره، أمر حرملة بن كاهل الأسدي بقطع نزاع القوم.
فرمى حرملة الطفل عبد الله الرضيع بسهم مثلث مسموم ذي ثلاث شعب، فذبحه من الوريد إلى الوريد وهو في حجر أبيه، ثم صاح في سيدنا الحسين وقال: خذ واسقه هذا!!
عندئذ وضع الحسين يده تحت نحر الرضيع حتى امتلأت دمًا، ورفع يده نحو السماء قائلًا: (هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ).
وروي أيضًا أن سيدنا الحسين أخذ بعضًا من دم الطفل الرضيع وقال: (اللَّهُمَّ لَا يَكُنْ عِنْدَكَ أَهْوَنَ مِنْ دَمِ نَاقَةِ صَالِح).
في 10 محرم سنة 61 للهجرة الموافق 680/10/10م، اجتمع 6000 مقاتل من الجيش الأموي لقتال 72 شخصًا، في حادثة تاريخية تمثل قمة الجبن والعار. كان على ميمنة الجيش الأموي عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عزرة بن قيس، وعلى الرجال شبث بن ربعي.
بدأ الجيش الأموي بالقتال، وتعجبوا من صبر الحسين وأصحابه، حيث استطاع 72 شخصًا قتل 88 من الجيش الأموي قبل أن يقتلوا. قتل أيضًا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناء الحسين: علي الأكبر، وأخوته أبناء علي بن أبي طالب : العباس وعبد الله وجعفر وعثمان وأبو بكر وعمر، وأبناء أخيه الحسن: القاسم وأبو بكر وعبد الله، وبنو عقيل: جعفر بن عقيل وعبد الرحمن بن عقيل وعبد الله ومحمد ابنا مسلم بن عقيل، وأبناء عبد الله بن جعفر الطيار: عون ومحمد. بقيت أسماء قاتليهم في ذاكرة التاريخ رمزًا للظلم والغدر.
بدأت اللحظات الأخيرة من المعركة عندما بقي الحسين جواده يقاتل جيشا لوحده ، وكان كالأسد يهجم على مجموعة من الضباع. ذكرهم بشجاعة أبيه علي بن أبي طالب، وكأنه بعث من جديد، لا يقترب منه رجل إلا قتله، لكنه أصيب بسهم فاستقر في نحره، وراحت ضربات الرماح والسيوف تمطر جسده، ثم سقط شهيدًا، وقام شمر بن ذي الجوشن بفصل رأس الحسين عن جسده الطاهر.
قام عمر بن سعد بإرسال رأس الحسين، ومعه السيدة زينب والسيدة رقية والسيدة سكينة والسيدة فاطمة النبوية والإمام علي زين العابدين و كان صغيرا و مريضا ، وبعض من حرم رسول الله ﷺ سبايا من العراق إلى دمشق بالشام.
فلما دخلوا على يزيد في قصره بدمشق، قالت فاطمة بنت الحسين: «يا يزيد، بنات رسول الله سبايا؟». فنظر يزيد إلى هذا المنظر الذي يفطر القلب، فبكى بكاءً شديدًا، وبكى من حوله من أمراء الشام حتى علت أصواتهم، ثم قال يزيد: «والله ما علمت بخروج أبي عبد الله الحسين حين خرج، ولا بقتله حين قتل».
ثم أمر بإكرامهن في القصر الأموي، وذهبت إليهن نساء بني أمية يواسينهن ويبكين الحسين وأهل بيته. ثم أمر يزيد فكساهم وأعطاهم الأعطيات وأرسلهم إلى المدينة المنورة. و تم إكرام رأس الحسين فدفنه في بلاد الشام .
لكن بقي جميع من اشترك في قتل الحسين (ر) في مناصبهم، في دلالة واضحة على موافقة يزيد بن معاوية الضمنية على القتل و إن أظهر عكس ذلك . تضاف هذه الدلالة إلى رفضهم اقتراحات الحسين الثلاث، والتي كانت كفيلة بتجنب هذا الحدث التاريخي الذي اشترك فيه اثنان: يزيد وجيشه الذي هاجم 72 فقط، وشيعة الحسين الذين خذلوه ثم تاجروا بمقتله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم عاشوراء، قتلته الطائفة الظالمة الباغية، وأكرم الله الحسين بالشهادة». وقال ابن كثير: «فقتل مظلومًا شهيدًا رضي الله عنه».
صدم مقتل الحسين وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم العالم الإسلامي. و لم يطل حكم يزيد، فعامله الله بعكس ما أراد، وقصمه قاصم الجبابرة، فمات في ريعان شبابه بعد فاجعة الحرة، وحرمه الله من التمتع بملكه، كما أخرج الحكم من ولده، فانتقل الحكم إلى البيت الأموي المرواني. أما قتلة الحسين فكلهم كانت نهايتهم مأساوية وعبرة لمن يعتبر.
أما الدولة الأموية فقد استمرت بعده، لكن لم يطل عمرها كثيرًا، فلم تعمر إلا 91 عامًا، وهو عمر صغير في أعمار الدول . ورغم فتوحاتهم وإنجازاتهم الكبيرة، إلا أن دماء الحسين بقيت تطارد البيت الأموي ونفرت المسلمين منهم، وكانت سببًا في قيام ثورات عديدة ضدهم ، حتى انتهى الأمر بسقوطهم، وقيام الدولة العباسية على أنقاضهم، وحدوث مذابح واسعة في البيت الأموي في الشام وغيرها.
📚 المصادر:
1. سير أعلام النبلاء، الذهبي.
2. جمهرة أنساب العرب، ابن حزم.
3. لسان العرب، ابن منظور.
4. البداية والنهاية، ابن كثير.
5. تاريخ ابن خلدون، ابن خلدون.
6. مجموع الفتاوى، ابن تيمية.
7. مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، سبط ابن الجوزي.
8. الكامل في التاريخ، ابن الأثير.