شارك الخبر
.
بقلم/ المحرر السياسي لدلتابرس .
في أدبيات الحروب الحديثة، لم يعد إسقاط المدن يبدأ بقرع طبول المدافع أو زئير الطائرات؛ بل يبدأ بصمتٍ مريب يستهل قضم الحصون من الداخل. وحين يُقرأ المشهد الراهن في الجنوب، يتضح جلياً أن هناك معركة خفية، بالغة الخبث والأثر، تدور رحاها في زوايا المجتمع وأروقة وعيه، مستهدفةً “القلعة الأخلاقية والاجتماعية” كمنطلقٍ استراتيجي ومقدمة حتمية لغزو عسكري وحرب شاملة يراد منها تفكيك التماسك الاجتماعي الجنوبي الذي جددصناعته الجنوبيون في مرحلة خلت.
قاد إلى ذلك التماسك الاجتماعي والمنظومة القيمية لأبناء الجنوب —المستمدة من أصالة الهوية، وإرث الأجداد، ورسوخ الأعراف والتقاليد— شكل حائط الصد الصلب الذي تكسرت عليه أعتى مشروعات الهيمنة والاحتلال عبر التاريخ. ومن هنا، أدركت مطابخ الحروب النفسية وصناع الفتن أن اجتياح الأرض لا يمكن أن يكتب له الاستمرار ما لم يسبقه “تجريف قيمي” وجهد استخباراتي خبيث يخلخل جبهة الدفاع الأولى: الجبهة الداخلية.
عن طريق التمهيد ب “الغزو الناعم”.. حين تتحول الشائعات والانحلال إلى سلاحٍ موجه
تتحرك هذه الحرب الممنهجة عبر مسارات متعددة، لعل أخطرها هو السعي الدؤوب لإشاعة الرذيلة والمظاهر الدخيلة على الهوية السلوكية للمجتمع، واستخدام وسائل التواصل الحديثة كمنصات لبث سموم الفتن الأخلاقية، يصاحبه الضخ الهستيري لحبوب المخدرات لاستهداف الشباب.
هذا الضخ الموجه ليس عفوياً، بل هو سلاح سياسي بامتياز يعمل وفق استراتيجية “تخدير وتدمير” القوة الحية في المجتمع، والمتمثلة في فئة الشباب. فالشباب الذين يُراد لهم أن يكونوا حماة الديار وسياج الوطن، يُستهدفون اليوم في وعيهم وقيمهم عبر إغراقهم في اهتمامات هامشية وسلوكيات دخيلة، بهدف تحييد طاقاتهم، وإضعاف وازعهم الإيماني والوطني، وبالتالي إفراغ المجتمع من طاقته الدفاعية والمعنوية.
إسفين “المناطقية”..
وإلى جانب سلاح الانحلال، تبرز أداة “إشاعة المناطقية” كأخطر خناجر الغدر الموجهة لخاصرة الجسد الجنوبي. فالعدو يدرك تماماً أين تكمن مكامن القوة ومراكز الثقل، ولذلك يركز جهده الاستخباراتي والإعلامي اليوم على استهداف هندسة التلاحم الجنوبي من خلال اللعب على أوتار الجغرافيا:
استهداف المثلث الذي نسميه (عدن، لحج،) . أبين الضالع) أو كما يحلو لهم وصمه مناطقيا (بمثلث الدوم )بوصفه النواة الصلبة والخزان البشري والنضالي الذي رفد الثورة وحماها بفلذات أكباده. ويمتد هذا إلى
استهداف حضرموت: العمق الاستراتيجي، والتاريخي، والاقتصادي، والثقافي الذي يمثل ركيزة الدولة وهوية التوازن.
استهداف شبوة وحالياً حقولها وحواضنها: لكونها قلب الجنوب النابض، وجسر التواصل الجغرافي والقبلي، وبوابة الثروة التي يراد عزلها وإبقاؤها مطمعاً للقوى الطامعة.
إن محاولات تفكيك عرى مشروع التصالح والتسامح العظيم و الإخاء الاجتماعي والسياسي السائد الذي تعاظم منذ غزو 19914م في محافظات الجنوب يعمل على استهدافه بجملة من السبل والأساليب السياسية والاستخباراية عبر بث الإشاعات وتغذية النزعات الجهوية الضيقة، ليس إلا محاولة بائسة كي يسهل الاستفراد بكل جبهة على حدة.
تمييع العقيدة العسكرية.. الحرب على “الراية” والولاء
لم تقف حدود المؤامرة عند غرف الوعي الاجتماعي، بل امتدت لتطال أدق الحصون وأكثرها قداسة: القوات المسلحة الجنوبية. إن هذه القوات التي ولدت من رحم التحرير و المعاناة، وتعمّدت تضحياتها بالدم تحت الراية الجنوبية الهادفة لاستعادة الأرض والكرامة، تتعرض اليوم لحرب ممنهجة تستهدف “عقيدتها القتالية”.
تتحرك مطابخ الأعداء بنعومة وخبث لمحاولة نزع العقيدة الوطنية عنها ، وتغيير ولائها وتحويلها من جيش وأمن وطني يحمل قضية شعب وهدف أمة، إلى مجرد وحدات مسلحة منزوعة الهدف، أو تابعة لأجندات تسعى لتشتيت قرارها السيادي. إنهم يدركون أن السيطرة على الأرض مستحيلة ما دامت هناك بندقية جنوبية مخلصة للراية التي سقط تحتها آلاف الشهداء، لذا يصوبون سهامهم نحو عقيدة المقاتل وولائه كخطوة استباقية لكسر هيبة المؤسسة العسكرية والأمنية.
الابتزاز واختراق النخب.. تكتيكات إسقاط الحصون
لا تتوقف الحرب عند حدود العبث بوعي العامة، بل تمتد لتستهدف الرموز والنخب الاجتماعية والقبلية والسياسية عبر حملات التشويه الممنهجة أو تكتيكات الابتزاز السلوكي. والهدف هنا واضح: ضرب الثقة بين المجتمع وقياداته، وتفخيخ الروابط القبلية والأسرية التي مثلّت —على مر العصور— شبكة الأمان الكبرى للجنوب في الأزمات المنعطفية.
حين تفقد النخب هيبتها، وحين تذوب المرجعيات الأخلاقية والوطنية، يدخل المجتمع في حالة من السيولة والفوضى السلوكية، وهي البيئة المثالية التي ينتظرها أي غازٍ خارجي ليمد نفوذه بأقل تكلفة عسكرية ممكنة.
من الخلخلة السلوكية إلى الاجتياح العسكري
إن التاريخ يعلمنا أن انهيار المنظومة الأخلاقية وتشرذم الولاءات لأي مجتمع هو النذير الأول لسقوط عواصمه السياسية. فالعدو لا يتحرك بآلياته العسكرية الشاملة وغزواته المسلحة إلا بعد أن يتأكد أن المجتمع قد تفكك اجتماعياً، وفقد روح المقاومة الجماعية، وأن دافع الدفاع عن الأرض والعرض قد تم تمييعه تحت وطأة الانحلال، والمناطقية، وتشتيت عقيدة حاملي السلاح. وصناعة وتدوير الدكاكين السياسية
لذلك، فإن ما يشهده الجنوب اليوم من محاولات محمومة لضرب النسيج الاجتماعي، وإشاعة الفواحش والمخدرات، وبث سموم الجهوية، ومحاولة حرف ولاء القوات المسلحة، ليس مجرد ظواهر عابرة، بل هو تمهيد لوجستي، وثقافي، وسياسي شامل يهدف إلى جعل “القلعة الجنوبية” ساقطة معنوياً قبل أن تبدأ صنوف الحروب الأخرى بالتحرك.
رسالة إلى المجتمع الجنوبي
إن صيانة القلعة الأخلاقية والاجتماعية في الجنوب اليوم، والحفاظ على وحدة الصف بين المثلث وحضرموت وشبوة والمهرة وأبين وسقطرى، وحماية العقيدة الوطنية لقواتنا المسلحة، ليست مجرد ترف ثقافي أو وعظ وإرشاد؛ بل هي مهمة أمن قومي عليا ومن الدرجة الأولى. إن حماية الأسرة، والتمسك بالقيم الأصيلة والروابط الاجتماعية، والالتفاف حول الراية الوطنية، هي السلاح الحقيقي الذي سيبقي الجسد الجنوبي عصياً على الانكسار، ويجعل من أي غزو مسلح مجرد انتحار حتمي على أسوار وعي شعب لا يساوم على هويته وثوابته.