شارك الخبر
قد يكون أكثر ما نكون بحاجة إليه هو الاختلاء بالنفس والعزلة، ولو لوقتٍ قصير، فهذا يمنح النفس التجدد التلقائي والانتعاش الروحي. ويكون ذلك من حينٍ إلى آخر مع نفسك، والله يكون معك في هذه اللحظة التي تخلو بها في الوحدة الاختيارية، ففيها تعرف معنى الحرية الحقيقية، إذ تمنح الروح والقلب حقهما، وتُلهم العقل بأفكار عظيمة؛ لأن الأفكار الملهمة تأتي أثناء قراءة الكتب، والمشي على الشاطئ بمفردك، وممارسة الرياضة الهادئة. فهذه الأنشطة تخفف من ضغوط الحياة وإيقاع الأيام السريع، فالفطرة التي منحنا الله إياها تجعل الإنسان، في هذه الحالة، يعمل بسجيته وبإيقاعٍ منتظم لترميم روحه . هناك العديد من الطرق التي يتبعها الأفراد للترويح عن أنفسهم، وكلٌّ حسب توجهاته. كنت في أرض صلالة عندما أردت الانفراد في لحظة خاصة بيني وبين نفسي، فكنت أمشي في الصباح والمساء بشكلٍ روتيني على الشاطئ، وعلى أصوات أمواج المحيط الهندي والبحر العربي، وكنت”أعيش مع الأمواج وأعايشها حينما ترتفع وتنخفض حسب الموسم والوقت. وكانت تلك اللحظات الجميلة تشعرني براحةٍ في النفس، ولا سيما عندما ترغي الأمواج وتزبد، وعندما يحدث ذلك التفاعل في موسم الخريف خاصة عندما يُغلق الممشى البحري الذي يقسم البحر إلى قسمين، وتُمنع السباحة بسبب ارتفاع الأمواج. وكنت أمشي على ذلك الجسر الممتد داخل البحر، وألاحظ تلك الأمواج عندما ترتفع نحوالشاطئ، ثم تتوقف على الرمال، ولم تلبث سوى ثوانٍ حتى تنحسر إلى البحر مرةً أخرى، لكنها كانت تجرف معها في كل مرة الرمال التي وضعوها سواتر المجمع السكني الذي نقيم فيه. وهذه الملاحظة تُعد في غاية الأهمية إذا تفكرنا بطريقةٍ صحيحة فيما نعيشه في هذه الحياة. لقد تركت تلك اللحظة انطباعًا خاصًا في نفسي وحياتي، وفتحت أمامي مجالًا واسعًا للتأمل ولاسئلة كثيرة . وعندما أنتهي من التمارين السويدية اليومية، أعود إلى منزلي وأتهيأ ليومٍ جديد، أبدأه بالقراءة اليومية التي تجعلني أعيش لحظاتي الخاصة جدًا بكل هدوء، بعد إعداد وجبة الفطور الخفيفة التي أستمتع بها، ثم أستمع إلى آياتٍ من القرآن الكريم، وأحتسي فنجان القهوة المفضل لدي الذي أُعدّه بنفسي.
عندها أعيش مع نفسي في هدوءٍ تام، فلا تتعارض عندي أي لحظة مع الأخرى أثناء الاختلاء بالنفس والعزلة، بصورةٍ تجعلني أعيشها باستمتاعٍ حقيقي، دون أن أشعر بالوحدة. وكنت أحيانًا أفكر فيما يدور في هذه الحياة عندما نفقد توازننا أثناء مرور الأيام، والوقت عندما يمضي بنا مسرعًا دون أن نستفيد منه أحيانًا. ولكن حين نحظى بالصفاء الذهني، ونتمتع بوضوح الرؤية، ونشعر بالسكينة، في هذه الحالة يجب علينا أن نحفظ تلك اللحظات في أعماق أنفسنا، حتى إذا أتت علينا لحظة أخرى، استطعنا أن نغتنمهاونستعيد بها توازننا الذي فقدناه في وقتٍ كانت فيه الأمور غير واضحة أمامنا.
حسين بن أحمد الكلدي
29/6/2026