شارك الخبر
دلتابرس . متابعات
فصل من كتاب خريف اليمن خفايا واسرار،
للدكتور عبدالقادر المحوري
في الخامس والعشرين من مارس 2015، كانت عدن تعيش واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا. سقطت قاعدة العند، وأُسر اللواء محمود الصبيحي واللواء فيصل رجب واللواء ناصر منصور هادي، وتعرضت مواقع قريبة من قصر معاشيق للقصف، وتبددت كثير من الترتيبات العسكرية التي كان يُعوّل عليها لحماية المدينة والرئيس.
في تلك الساعات، لم يعد بقاء الرئيس عبدربه منصور هادي في عدن خيارًا آمنًا. كان الخطر يقترب من كل اتجاه، وكانت قوات الحوثي تسعى للوصول إليه أو قطع الطريق عليه. عندها اتُّخذ القرار الأصعب: مغادرة عدن برًا باتجاه الشرق، عبر أبين وشبوة وحضرموت والمهرة، وصولًا إلى سلطنة عُمان.
كان اللواء الدكتور علي حسن الأحمدي، رئيس جهاز الأمن القومي حينها، من أبرز الشخصيات التي رافقت الرئيس في تلك الرحلة. وقد مثّل وجوده عنصرًا محوريًا في إدارة الاتصالات والتمويه والتنسيق الأمني، خاصة بعد أن أصبحت الهواتف والاتصالات مصدر خطر حقيقي يمكن أن يكشف مسار الموكب.
غادر الموكب عدن في ظروف شديدة السرية. لم تكن الرحلة موكبًا رئاسيًا معلنًا، بل تحركًا اضطراريًا محدودًا ومموهًا. ووفق روايات منشورة، كان الرئيس يرتدي زيًا شعبيًا جنوبيًا، بعيدًا عن المظهر الرسمي، لتقليل احتمالات التعرف عليه. كما جرى استخدام أكثر من موكب، بعضها للتمويه، وانقسمت السيارات في مراحل من الطريق حتى لا يبدو التحرك واضحًا أو قابلًا للتتبع.
مرّ الموكب أولًا عبر أبين، ثم واصل سيره باتجاه شبوة. في منطقة عين بامعبد تقريبًا انقسمت السيارات، فتحرك موكب باتجاه عتق، بينما واصل الموكب الذي يضم الرئيس طريقه نحو حضرموت. وتذكر إحدى الروايات أن عدد السيارات كان كبيرًا في البداية، ثم تقلص لاحقًا، وأن الوفد الذي رافق الرئيس كان يضم شخصيات عسكرية وأمنية وقبلية، بينها اللواء علي الأحمدي، والعميد ناصر الطاهري، والعميد فرج حسين العتيقي، إضافة إلى قيادات وشخصيات محلية أسهمت في تأمين الطريق.
كانت شبوة محطة مفصلية في الرحلة. فقد لعب الشيخ حميد الكربي، والشيخ محمد عوض الطحان، والعميد أحمد سالم لكمح، دورًا مهمًا في استطلاع الطريق وتأمين المسار، خصوصًا في المناطق الممتدة من أحور حتى بئر علي وبروم. وتشير الروايات إلى أن دوريات محلية وُضعت على طول الطريق لرصد أي تحركات مشبوهة وإبلاغ الموكب بها أولًا بأول.
لكن الأخطر كان في حضرموت. فبحسب رواية العميد ذياب عبد الواحد القبلي نمران المرادي لصحيفة القدس العربي، وصل تعميم إلى وحدات في حضرموت يفيد بأن موكبًا يتبع تنظيم القاعدة متجه إلى المحافظة، مع التوجيه بأخذ الحيطة والتعامل معه بحزم. وبعد ذلك تلقى المرادي اتصالًا من اللواء علي الأحمدي، أبلغه فيه أن الموكب يتبع رئاسة الجمهورية، وأن الرئيس موجود فيه، وطلب منه تأمين مروره والالتقاء به في بروم.
هنا بدأ دور المرادي الحاسم. فقد كان في قيادة المنطقة العسكرية الثانية بحضرموت، وعلم أن كتيبة المهام الخاصة وبعض الوحدات في حالة استنفار، وأن هناك تعليمات من صنعاء بالتعامل مع الموكب. أدرك المرادي أن أي خطأ قد يؤدي إلى اعتراض الرئيس أو استهدافه، فعمل على تعطيل خروج العربات التي يمكن أن تتعقب الموكب، ووجّه الشرطة العسكرية بعدم السماح بتحرك أي آلية من القيادة يمكن أن تستخدم لملاحقته.
في نقطة بروم، كانت الخطورة أكبر. فقد كانت هناك تعليمات بتوقيف الموكب أو منعه من المرور. ولتجاوز ذلك، استخدم المرادي أسلوب التمويه، فأبلغ قائد النقطة أن الموكب يخص قائد المنطقة العسكرية الرابعة ومعه مشايخ من شبوة، وليس موكب الرئيس. وكان الهدف من ذلك تحييد النقطة ومنعها من التعرض للموكب. وعندما أشار قائد النقطة إلى أن لديه تعليمات، تحمّل المرادي المسؤولية وأمره بتجاهلها.
كان الرئيس ومن معه يفكرون في التوجه إلى القصر الجمهوري في المكلا، ظنًا منهم أن الوضع هناك لا يزال آمنًا. لكن المرادي حذر اللواء الأحمدي من هذه الخطوة، مؤكدًا أن القصر قد يكون مراقبًا أو محاصرًا من عناصر موالية لصالح والحوثيين. كما نصح بعدم التوقف في فندق رمادا أو أي مكان ظاهر في المكلا، لأن أي توقف كان قد يمنح الخصوم فرصة لتحديد مكان الرئيس واستهدافه.
لاحقًا، أكد الرئيس هادي نفسه أن اتصالًا أجراه في الطريق إلى المكلا كاد أن يودي بحياته. فقد قال إنه اتصل بمحافظ حضرموت وطلب تجهيز القصر الجمهوري، لكن الانقلابيين التقطوا المكالمة وأبلغوا الوحدات بأن الرئيس في الطريق، فتم إغلاق الهواتف واستمر الموكب في السير حتى وقت متأخر. وعندما حاولوا الوصول إلى القصر، أُبلغوا بأن عليهم عدم الاقتراب منه لأن خبر قدومهم وصل وأن محيطه أصبح خطرًا.بعد تجاوز المكلا، واصل الموكب سيره شرقًا نحو المهرة. كانت الرحلة طويلة وشاقة، يغلب عليها الحذر والصمت وإغلاق الهواتف. وصل الرئيس ومرافقوه إلى الغيضة في الصباح، وهناك تناولوا إفطارًا بسيطًا على كورنيش المدينة. وتشير الروايات إلى أن اتصالًا جرى هناك مع محافظ شبوة أحمد علي باحاج، نُقل خلاله الهاتف إلى اللواء الأحمدي ثم إلى الرئيس هادي، حيث أُبلغ الرئيس بأن طائرة سعودية خاصة ستكون بانتظاره في سلطنة عُمان لنقله إلى الرياض، وأن الملك سلمان وافق على طلب التدخل العسكري لإنقاذ الشرعية.
عند الثامنة صباحًا تقريبًا، غادر الموكب الغيضة باتجاه منفذ شحن الحدودي، ثم إلى الجانب العُماني. وبذلك انتهت أخطر رحلة برية في حياة الرئيس هادي، بعد أن قطع الموكب طريقًا طويلًا من عدن إلى المهرة، وسط مطاردة محتملة، وتعليمات اعتراض، ونقاط تفتيش، وتمويه ميداني، واتصالات محسوبة، وقرارات اتخذت في لحظات فارقة.
لم تكن تلك الرحلة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كانت لحظة فاصلة في مسار الدولة اليمنية. فخروج الرئيس من عدن أفشل هدف الانقلابيين في أسره أو تصفيته سياسيًا وجسديًا، وحافظ على بقاء الشرعية ممثلة برئيسها، وفتح الطريق أمام انتقاله إلى الرياض، حيث بدأت مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والعسكرية.
وتبرز في هذه الرواية أسماء كان لها دور ميداني وأمني واضح: اللواء علي حسن الأحمدي الذي رافق الرئيس وأدار جانبًا من التنسيق الحساس، والعميد ذياب القبلي المرادي الذي تولى تعطيل الاعتراض في حضرموت وتأمين المرور عبر بروم والمكلا، والشيخ بن معيلي الذي كان له دوراً لايستهان والشيخ حميد الكربي والشيخ محمد الطحان والعميد أحمد سالم لكمح الذين أسهموا في استطلاع وتأمين مسار شبوة، إضافة إلى عدد من المرافقين والقادة الذين ظلوا ضمن الموكب أو انسحبوا منه وفق مقتضيات التمويه والحماية.
كانت الخلاصة أن الرئيس هادي لم يخرج من عدن في رحلة عادية، بل عبر شبكة مخاطر متداخلة: انهيار ميداني في عدن، رصد اتصالات، تعميمات مضللة، نقاط اعتراض، ومحاولات اصطياد سياسي وعسكري. وما أن وصل إلى عُمان، حتى كانت صفحة جديدة من الحرب اليمنية قد بدأت، ليس فقط على الأرض، بل في مسار الشرعية والتحالفات الإقليمية ومصير الدولة اليمنية كلها.
يتبع،،