شارك الخبر
…
كتبه : الباركي الكلدي
لم يكونا مجرد طعامٍ عابر، بل كانا قطعةً من عمرٍ جميل، ودفترًا مفتوحًا من ذاكرة جيل الثمانينات، تختبئ بين صفحاته ضحكاتنا الأولى، وبراءة أيامٍ لا تُنسى.
هناك… في مدرسة الشهيد يسلم حسين سالم، في قلب رخمة بمديرية رصد يافع، حيث الحكاية تبدأ ولا تنتهي…
تلك المدرسة التي لم تُبنَ بالحجارة فقط، بل شُيّدت بقلوبٍ مؤمنة، وسواعد رجالٍ قرروا أن يكتبوا فجرًا جديدًا بعد ليلٍ طويل من العزلة والصراع.
كانت الأرض يومها مثقلةً بسنين القبيلة، تُقيدها الثارات، وتفصل بين قراها أسوار الخوف، فلا طريق يُسلك، ولا إنسان يُزار، وكأن الناس يعيشون في جزرٍ متباعدة داخل وطنٍ واحد.
حتى جاءت ثورة الرابع عشر من أكتوبر، كريحٍ طاهرة، اقتلعت جذور الفرقة، وأطفأت نار الثأر، وأعادت للناس إنسانيتهم…
فنهضوا، دون أمرٍ أو إكراه، يسابقون الزمن نحو البناء، وكانت المدرسة أول الحلم… وأجمل الحلم.
وبجوارها، وُلد سوق رخمة الشعبي، بسيطًا كقلوب أهله، عميقًا كمعناه…
دكاكين صغيرة، لكنها كانت عالمًا كاملًا في عيوننا، نرى فيها الحياة، ونشتري منها الفرح.
وفي زحمة تلك السنوات، لمع اسم الأخ فضل بن زيد الأصبحي، بدكانه المتواضع الذي كان بالنسبة لنا أشبه بقصرٍ من النعيم…
ثلاجاته الباردة كانت تحرس أحلامنا الصغيرة، وشراب “كندا دراي” كان يبيت ليلته فيها، كأنه يُعدّ نفسه لاحتفال الصباح.
وعند العاشرة…
حين يرن جرس الاستراحة، لم يكن مجرد صوتٍ معدني، بل نداءٌ للحياة…
فننطلق كأسراب العصافير، بل كخلية نحلٍ لا تهدأ، نحو الدكان، تتزاحم أيدينا الصغيرة، وترتفع أصواتنا بلهفة:
“أعطني… أعطني… أعطني…”
مشهدٌ لا يزال حيًا في الذاكرة، لا تبهت ألوانه مهما مر الزمن…
بسكويت الزبدة بشلنين، وشراب كندا دراي بشلنٍ واحد…
أرقامٌ بسيطة، لكنها كانت تعادل كنوز الدنيا في قلوبنا.
وكثيرًا ما كنا لا نملك ثمن الحلم كاملًا…
فنقسم البسكويت بيننا، ونقتسم الشراب، نرتشفه بحذرٍ كأننا نحافظ على لحظةٍ لا نريد لها أن تنتهي…
وكان من يصل إلى الكاشير ويحمل نصيبه، يعود وكأنه ملكٌ تُوّج لتوه، يركض والفرح يسبقه.
واليوم…
أيقظ هذه الذكرى صديقٌ حين مدّ لي بسكويت “أبو ولد” وقال: “هذا لك”…
فانفتح باب الزمن فجأة، وعاد بي الحنين إلى هناك…
إلى المدرسة… إلى السوق… إلى تلك الأيام التي كانت بسيطة… لكنها كانت أعظم ما عشنا.
يا لتلك الأيام…
كم كانت فقيرةً في ظاهرها…
وغنيةً حتى الامتلاء في قلوبنا.
#الباركي_الكلدي