شارك الخبر
الصحفي قائد زيد ثابت
عند مفرق الصفأة رخمة، وبالتحديد في منطقة الزغرور، التقيت في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الاثنين 6 يوليو 2026م، اثنين من أبناء شقصة: ياسر سالم الملقب بـ “الشحمة”، وشخص من أبناء الإرياني، قادمين من شقصة وفي طريقهما إلى مركز المديرية رصد، يرافقهما حمار مناضل جسور يدعى سَعْسَعْ.
حمار قضى عمره كاملا في خدمة المجتمع. كان يحمل الأثقال ويتسلق الجبال، ينقل الأسمنت والمواد الغذائية من سوقي الصفأة ورَخمة إلى قرى شقصة، في زمن كان الحمار فيه وسيلة النقل الوحيدة قبل أن تشق الطرق طريقها إلى المنطقة.
يقول ياسر وصديقه الإرياني بصوت يخالطه الوفاء قبل ما توصل السيارة، كان سعسع يوصل الأسمنت عشان نبني، ويوصل البُر عشان نعيش. 30 سنة وهو ما قال آح.
واليوم، وبعد أن شُقت الطرق ودخلت السيارات، لا يزال ياسر يمتطي حماره إلى مركز المديرية بين الحين والآخر، وفاءً لعشرة عمر لا تُشترى بمال.
وكشف ياسر وصديقه عن تجهيزات تجري حاليا لحفل كبير في قرى شقصة لتكريم نخبة من الحمير التي خدمت الأهالي لعقود. وسيتم الإعلان عن موعد ومكان التكريم خلال الأيام القليلة القادمة، وسيكون حماره المناضل الجسور سعسع أحد الحمير التي ستحظى بالتكريم في حفل هذا العام 2026م.
فقبل السيارات، كانت حوافر الحمير هي التي مهّدت طرق يافع. وقبل الشاحنات، كانت ظهورها هي المستودعات المتنقلة التي أطعمت الأسر وبنت البيوت، بجانب بعض الجمال.
وفي الثامن من مايو من كل عام، يقف العالم لحظة احترام وينحني الإنسان احتراماً لصديق الصبر. إنه اليوم العالمي للحمير، يوم لا يُحتفى فيه بحيوان، بل تُروى فيه حكاية بشرية كاملة.
في هذا اليوم تقام الاحتفالات حول العالم، لا تكريماً لمخلوق فحسب، بل لفتاً للانتباه إلى خصائصه المذهلة التي ظلمها التاريخ طويلاً.
فالحمار دور رئيسي في تاريخ البشر. كان الرفيق الصبور الذي حمل عن الإنسان كل المشقات: شدّ الرحال به عبر الوديان، وحرث الأرض في السهول، وتسلق الجبال الشاهقة وهو يحمل على ظهره أكياس القمح والماء والأسمنت. واجه مع الإنسان الجوع والعطش والبرد والحر، دون شكوى ودون كلل، عبر آلاف السنين، دون مقابل: لا مسكن ولا راتب ولا حتى كلمة شكرا.
لطالما وُصِف هذا الحيوان بـ الغباء في أمثال المجتمعات ونكاتها، لكنها تهمة باطلة. فالدراسات الحديثة أثبتت أن الذكاء من أبرز سماته: ذاكرة لا تنسى الطريق، وحذر يحميه من الخطر، وعناد ليس إلا عقلا يرفض الظلم.
المجتمعات القديمة كانت أكثر إنصافا فقبل آلاف السنين، عرف الأجداد في يافع والعالم قيمة هذا الحيوان . وانعكس ذلك في الجداريات والنقوش التي اكتشفها علماء الآثار رسومات منحوتة على الصخور وفي الكهوف حول العالم، تتصدرها صور الحمير.