شارك الخبر
كتبه : الباركي الكلدي
يجب أن يقف نزيف الدم في شبوة… ويجب أن يقف إلى الأبد. فهذه الأرض التي كانت يومًا منبع الحضارات وملتقى القوافل، لا يليق بها أن تتحول إلى ساحة اقتتال بين أبنائها، ولا أن تُروى ترابها بدماء رجالها.
ما يحدث اليوم من اشتباكات ومعارك بين قبائل ال عديو لقموش لهو فتنة عظيمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فتنة تفتك بالنسيج الاجتماعي، وتزرع الكراهية، وتحصد خيرة الرجال من أبناء شبوة. إنها دائرة من الثأر لا نهاية لها، كلما ظن الناس أنها خمدت اشتعلت من جديد، وكأنها قدر مفروض، بينما الحقيقة أنها خيار يمكن إيقافه إذا توفرت الإرادة.
إن المسؤولية اليوم تقع أولًا على عاتق شيوخ القبائل ووجهائها، فهم أهل الحكمة والكلمة المسموعة، وهم القادرون على إطفاء نار الفتنة قبل أن تأتي على ما تبقى. إن الصمت لم يعد خيارًا، والتأخر في التدخل يزيد الجراح عمقًا، ويجعل المصالحة أصعب، ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.
شبوة ليست مجرد محافظة عابرة، بل هي مهد من أعرق مهود الحضارة في الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية. احتضنت أرضها قديمًا ثلاثًا من أعظم ممالك اليمن القديم: مملكة حضرموت، ومملكة قتبان، ومملكة أوسان. ومن بين جبالها وسهولها مرت قوافل التجارة العالمية، حاملة البخور واللبان إلى أصقاع الأرض، فكانت شبوة محطة إشعاع اقتصادي وثقافي، وركيزة في تاريخ المنطقة.
فكيف لأرض بهذا التاريخ أن تُختزل اليوم في مشاهد الثأر والاقتتال؟ وكيف لأبناء حضارة عريقة أن ينشغلوا بتمزيق بعضهم البعض بدل بناء حاضرهم وصناعة مستقبلهم؟
إن إنهاء هذا الاقتتال ليس مستحيلًا، بل يبدأ بخطوة شجاعة: الدعوة إلى صلح شامل، ووقف فوري لإطلاق النار، وتشكيل لجان قبلية محايدة تسعى لرأب الصدع، وإحياء قيم التسامح والعفو التي طالما عُرفت بها القبائل اليمنية. فالعفو ليس ضعفًا، بل قوة، وهو الطريق الوحيد لكسر دائرة الدم.
يا أبناء شبوة… إن الأرض التي جمعتكم تحت تاريخ واحد، قادرة أن تجمعكم تحت راية السلام. وإن الدم الذي يُراق اليوم هو دمكم جميعًا، وخسارته لا تعني طرفًا دون آخر، بل تعني خسارة شبوة كلها.
دعوا السلاح جانبًا، وأعيدوا للكلمة مكانتها، وللحكمة سلطانها. فشبوة تستحق أن تُذكر كأرض حضارة… لا كساحة حرب.
والسلام خيار، إن أردتموه.