شارك الخبر
يُعد الفنان الكبير محمد سعد عبدالله (أبو مشتاق) أحد أعمدة الفن الجنوبي ورواد الأغنية اليمنية الحديثة، وصاحب مدرسة موسيقية متفردة أحدثت تحولًا تاريخيًا في مسيرة الغناء، بعدما مزج بين الأصالة والتجديد، وجمع في شخصية واحدة موهبة الشاعر والملحن والمطرب، ليخلد اسمه كأحد أبرز المبدعين في تاريخ الموسيقى العربية.
وُلد في 14 نوفمبر 1938 بمدينة الحوطة في محافظة لحج، وترعرع في بيئة فنية أصيلة، حيث كان والده وعمه من أشهر مطربي زمانهما، فشبّ عاشقًا للموسيقى، وبدأ رحلته الفنية مبكرًا عازفًا للإيقاع قبل أن يتقن العزف على مختلف الآلات الموسيقية ويشق طريقه نحو النجومية.
شكلت أغنيته “محلى السمر جنبك”، التي لحنها وهو في السادسة عشرة من عمره، الانطلاقة الحقيقية لمسيرته، قبل أن يسطع نجمه مع افتتاح إذاعة عدن عام 1954، التي احتضنت أعماله الأولى، ومنها “ما با بديل” و”يا ناس ردوا حبيبي” و”هاجري أحبه، لتصبح لاحقًا من روائع الأغنية اليمنية.
لم يكن محمد سعد عبدالله مجرد مطرب، بل كان مجددًا حقيقيًا قاد ثورة فنية هادئة، وأسّس مدرسة موسيقية حديثة أثرت في أجيال من الفنانين داخل اليمن وخارجه، وقدم أكثر من مائة عمل غنائي، كتب ولحن معظمها بنفسه، تاركًا إرثًا فنيًا خالدًا ما زال يتردد في وجدان الجماهير.
وبرز دوره الوطني خلال سنوات الكفاح ضد الاستعمار البريطاني، حين تحولت أغانيه إلى صوت للحرية ورسائل تحفز الجماهير وتلهب حماس المناضلين، فخلد أعمالًا وطنية راسخة، من أبرزها “قال بن سعد” و”الذهب الأحمر”، لتصبح جزءا من ذاكرة النضال الوطني.
كما امتد تأثيره إلى الساحة الخليجية والعربية، فتغنى بألحانه كبار الفنانين، وفي مقدمتهم هيام يونس وطلال مداح، فيما تميز بإتقانه مختلف الألوان الغنائية، من اللحجي والعدني والحضرمي والتهامي والصنعاني، وصولًا إلى اللون الخليجي، ليصبح أحد أبرز سفراء الأغنية اليمنية في المحيط العربي.
تكريمًا لمسيرته الاستثنائية، نال تقديرًا رسميًا ضمن فعاليات صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004، كما خُلد اسمه بإطلاقه على أحد شوارع مدينة عدن، اعترافًا بإسهاماته الكبيرة في إثراء الحركة الفنية والثقافية.
وفي 16 أبريل 2002، رحل محمد سعد عبدالله في مدينة الشيخ عثمان بالعاصمة عدن، لكن صوته لم يغب، وبقيت ألحانه وإبداعاته تنبض بالحياة، شاهدة على مسيرة فنان استثنائي صنع مجد الأغنية الجنوبية واليمنية، ورسخ مكانته كأحد أعظم رموز الفن الخالد في تاريخ المنطقة.