شارك الخبر
🟢
ظل صوتها الناعم قابعاً داخل أدمغتهم لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب؛ فلم يستطيعوا الهروب منه مهما حاولوا.
في عام 1965، بدأت إذاعة فيتنام الرسمية (صوت فيتنام) بث برامج موجهة باللغة الإنجليزية مخصصة للجنود الأمريكيين في ساحة القتال.
في الجانب الآخر في عمق أدغال فيتنام، حيث الرطوبة تخنق الأنفاس وصوت الرصاص لا يهدأ، كان الجندي الأمريكي يقبع في خندقه، يداه ترتجفان على بندقيته، وعيناه تترقبان الموت القادم من بين الأشجار.
كان الخوف هو سيد الموقف، والوحشة تنهش القلوب.
وفي لحظة سكون مباغتة، امتدت يدٌ مرتجفة لتُدير مؤشر راديو صغير… وبدلاً من صوت الانفجارات، انطلق عبر الأثير لحنٌ أمريكي دافئ ومألوف، أغنية “بلوز” حزينة تُعيده إلى شوارع نيويورك أو حقول تكساس.
وفجأة، قطع الموسيقى صوتٌ أنثويٌّ ناعم، رخيم، يتدفق كالحرير، لكنه يحمل في طياته برودة النصال.
صوتٌ يخاطبهم بلكنة إنجليزية متقنة، قائلًا:
“هاي جايز.. جى آي جو؟ (كيف حالك أيها جندي؟) يبدو لي أنكم مغيبون تماماً عما يحدث في هذه الحرب…”
لم تكن هذه الفتاة التي عُرفت بـ “هانا هانوي” (واسمها الحقيقي ترين ثي نجو) تطلق الرصاص، ولم تكن تحمل قنابل، لكنها امتلكت سلاحاً زلزل أركان الجيش الأمريكي الذي يظن أنه لا يقهر بـ الكلمة.
فتاة مثقفة،درست الأدب الإنجليزي في جامعة هانوي،تتحدث إنجليزية بطلاقة وبلحن مرن وناعم، يخلو من الغلظة، مما جعل صوتها جذاباً للاستماع ومريحاً للأذن للوهلة الأولى.
كانت “هانا” تجلس خلف ميكروفون إذاعة فيتنام، وبدلاً من الصراخ والوعيد، كانت تعتمد أسلوب “الهمس القاتل”.
كانت تبدأ بثها بأجمل الأغاني الأمريكية التي تثير حنين الجنود إلى ديارهم، حتى إذا ما استرخت دفاعاتهم النفسية وسرحوا في ذكرياتهم، بادرتهم بالضربة القاضية.
لم تكن هانا تتحدث عن شعارات سياسية جوفاء، بل كانت تخترق أدق تفاصيل حياتهم.
كانت تقول لهم بنبرة هادئة ومؤثرة:
“لماذا أنت هنا يا جو؟ في هذه اللحظة، تجلس حبيبتك مع شخص آخر في ملهى ليلي بأمريكا، بينما أنت تنتظر الموت في طين الغابات في بلاد غير بلادك ماذا تفعل هنا؟…”
“أمك تبكي عليك في البيت.. فلماذا تموت من أجل سياسيين يجلسون في الغرف المكيفة بواشنطن يربحون الملايين وأنت تموت بدلاً عن أولادهم؟”
“لماذا تموتون هنا في الغابة من أجل قضية لا تخصكم، بينما يعيش السياسيون في واشنطن بأمان؟”.
ولم يتوقف الأمر عند العاطفة؛ بل تحول صوتها إلى مصدر رعب حقيقي عندما بدأت تقرأ ببرود شديد قوائم أسماء الجنود الأمريكيين الذين قُتلوا في المعارك الأخيرة، ذاكرةً أرقام وحداتهم العسكرية بدقة متناهية، وكأنها تراقبهم من فوق أكتافهم!
كان الجندي يستمع إليها وقلبه يخفق بشدة، رعباً من أن يسمع اسمه في القائمة القادمة.
حاولت القيادة العسكرية الأمريكية في فيتنام منع الجنود من الاستماع إلى “هانا هانوي”، وصادرت أجهزة الراديو، لكن دون جدوى.
كان الجنود مدمنين على صوتها؛ يبحثون عنه في عتمة الليل ليسمعوا أغنية، أو ليعرفوا الحقيقة التي تخفيها عنهم قيادتهم، حتى أصبحت أخبار المظاهرات المناهضة للحرب في أمريكا تصلهم عبر صوتها هي.
لقد نجحت هذه الشابة الفيتنامية المثقفة في تحويل الراديو الصغير إلى ساحة معركة نفسية طاحنة.
لم تقتل أجسادهم، بل قتلت فيهم “الرغبة في القتال”، وزرعت الشك والإحباط في قلوب آلاف الجنود، ليتحول صوتها الناعم إلى الكابوس الأقوى والأعمق أثراً في تاريخ الحروب الحديثة.
وحتى بعد أن وضعت الحرب أوزارها وعاد الجنود إلى بلادهم، ظل صدى صوتها يتردد في كوابيسهم عبر السنين، يذكرهم بتلك الفتاة التي هزمت كبرياء جيش كامل.. فقط بميكروفون، وبضع كلمات، وأغنية حزينة.
بعد انتهاء الحرب وانتصار فيتنام عام 1975، انتقلت “ترين ثي نجو” للعيش في مدينة “هو شي منه” (سايغون سابقاً) وعملت في التلفزيون المحلي. وفارقت الحياة في عام 2016 عن عمر يناهز 85 عاماً.
وظلت حتى آخر أيامها فخورة بما فعلت، مؤكدة في مقابلاتها أنها لم تكن تكره الأمريكيين كأشخاص، بل كانت تحارب القيادة التي أرسلتهم لتدمير بلدها، وأن سلاحها كان الحقيقة المؤلمة فقط.