شارك الخبر
منذ اللحظة التي سقط فيها الجنوب عسكرياً في 7 يوليو 1994، لم يسقط معه فقط جيش وأرض، بل سقط معه أيضاً مشروع وطني كامل، وسقطت معه نخبة من الكوادر الوطنية التي حملت القضية في قلوبها، *ودفعت من دمها وكرامتها أثماناً باهظة.*
هذه الكوادر، التي كانت تمثل *العمود الفقري لأي دولة قائمة* ، تعرضت لأبشع أنواع التهميش والإقصاء، ليس فقط بعد حرب 1994، بل بعد عام *2015* أيضاً، وكأن هناك *مخرجاً* واحداً يتكرر في كل مرحلة، وهدفاً واحداً لا يتغير: *تدمير مؤسسات الدولة واستبعاد كوادرها الوطنية* ، ليبقى المشهد خالياً من أي بديل وطني حقيقي.
كوادر المثلث، وأبين، وشبوة، وكل محافظات الجنوب، التي وقفت بوجه عصابة 7/7، التي رفضت الخضوع والانكسار، والتي آمنت بأن الجنوب يستحق أكثر من الهزيمة، كانت أول الضحايا. تم تهميشهم، وإقصاؤهم، وتجفيف مواردهم، وإبعادهم عن مواقع القرار، وكأنهم لم يكونوا جزءاً من هذا الوطن، وكأن تضحياتهم لم تكن ذات يوم سبباً في وجود هذا الوطن.
بعد حرب 1994، كان المشهد واحداً. النخب التي باعت الوطن، والأدوات التي فتحت الأبواب للاحتلال الجديد، تسلمت مفاصل الدولة، بينما الكوادر الوطنية المخلصة وجدت نفسها خارج المعادلة. تم تجميد دورهم، وإقصائهم من الحياة السياسية والعسكرية. لم يكن ذلك مجرد عقاب، بل كان مشروعاً ممنهجاً لتغييب أي صوت وطني يمكن أن يشكل خطراً على المشروع الجديد. وكأن من يقفون مع وطنهم هم الخونة، ومن يبيعونه هم الأبطال.
ثم جاء عام *2015* ، وكانت لحظة الأمل الجديد. خرج الجنوبيون بكل ما أوتوا من قوة، وقدموا آلاف الشهداء، وحرروا مدنهم بأيديهم. لكن *المخرج* كان نفسه. النخب الانتهازية التي تسلمت المفاتيح من الرعاة الخارجيين، *حرصت على تهميش الكوادر الوطنية مرة أخرى.* الكوادر التي قادت المعارك، والتي ضحت بدمائها، والتي كانت تمثل العمود الفقري للمقاومة، وجدت نفسها خارج المعادلة الجديدة. تم استبعادهم من مواقع القرار، وتجفيف مواردهم، وإبعادهم عن المشهد، بينما تسلم القيادات الانتهازية والمرتهنة للخارج مفاصل الدولة، ووزعت المناصب على الموالين، وقطعت الطريق على أي بديل وطني حقيقي.
*المخرج* نفسه، في كل مرحلة، هو *تدمير مؤسسات الدولة واستبعاد كوادرها الوطنية.* هذه ليست صدفة، وليست نتيجة ظروف عابرة، بل هي *استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تفريغ الدولة من أي عناصر وطنية قادرة على حمل مشروع تحرر حقيقي.* لأن الكوادر الوطنية تشكل خطراً على المشاريع الفاسدة، ولأن وجودهم يعني وجود بديل، ووجود بديل يعني نهاية اللعبة. لذلك، يتم تهميشهم، وإقصاؤهم، وتجفيف مواردهم، *حتى يبقى المشهد خالياً من أي صوت وطني، وحتى تظل القضية رهينة في أيدي الانتهازيين والمتاجرين.*
هذه الجريمة الممتدة، التي تستهدف كوادر المثلث وأبين وشبوة وكل الجنوب، ليست مجرد خطأ سياسي، بل هي *جريمة في حق الأمة، وفي حق المستقبل.* هي *إهدار لثروة بشرية لا تعوض، وتفريط في كفاءات كانت يمكن أن تكون عماد النهضة* ، وتدمير لمؤسسات كانت يمكن أن تكون أساس الدولة. هي أيضاً رسالة لكل من يحمل القضية في قلبه: لا مكان لك في هذا المشهد، ولا مستقبل لك في هذا الوطن، إلا إذا كنت مستعداً لأن تكون أداة، ولأن تبيع قضيتك، ولأن ترتهن لمن لا يعنيهم أمرك.
لكن التاريخ لا يموت، والكوادر الوطنية لا تموت بموت المناصب. هي تبقى في قلوب الناس، وفي ذاكرة الأجيال، وفي صفحات التاريخ التي لا تزيف. وهي تنتظر اليوم الذي تسترد فيه قضيتها، وتطهر فيه وطنها، وتعيد بناء مؤسساتها على أسس جديدة، لا مكان فيها لمن تلوثت أيديهم، ولا مكان لمن تاجروا بالدماء واستباحوا الثروات. واليوم الذي يأتي فيه هذا اليوم، ستكون الكوادر الوطنية هي القيادة الحقيقية، وليس من تاجروا بالقضية ورهنوا القرار للخارج. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.