شارك الخبر
الحلقة [145] في (سلسلة الفريد من موروث يافع التليد)
الترحيب بالمقاطر والمحاجر، والردود والبارود: في مراسيم استقبال “الحريوة” في يافع زمان
_______________
اعداد /عبدالفتاح نصر السنيدي
الشتيت ابونصراليافعي
__________________
لم تكن الأعراس عند اهل يافع زمان مجرد حدثٍ عابر، بل كانت ملحمةً تلتئم فيها أواصر القبيلة، وتُصاغ فيها قيم المروءة والبهجة في قالبٍ من الطقوس الباذخة بالبساطة والأصالة. ومن أبهى فصول هذه الملحمة الإنسانية، تتجلى “مراسيم استقبال الحريوة” (العروس) عند وصولها إلى دار عريسها؛ طقوسٌ تمتزج فيها روائح العود ببارود البنادق، وتتناغم فيها زغاريد النساء مع دقات طبول الفرح، لترسم لوحةً إثنوغرافية لا تمحوها الأيام.
أولاً: تباشير القدوم ونفحات اللبان
حين يقترب موكب “الشواعة” (مرافقي العروسين) عائدين بالـ “حريو” والـ “حريوة” من بيت أهلها، تنبض الدار المضيفة بلهفة الانتظار.
موكب المسك: تنطلق ثلة من نساء الدار الأقرب للعريس —كالأم والجدة والأخت والعمة— ميممات وجوههن شطر الموكب على مسافة تتجاوز المئة متر. يحملن في أيديهن “المقاطر” (المباخر) التي تتصاعد من جمراتها الذكية أدخنة بخور اللبان والعود اليافعي الفاخر، استقبالاً لهذه الضيفة الموقرة.
المحاجر الأولى: ما إن يدنين منها حتى يطلقن “المحجرة” (الزغاريد اليافعية الممتدة) لتشق عنان السماء، فيصطحبن العروس ومسايرتها (وصيفتها) رويداً رويداً بوقارٍ يليق بالحدث.
وفي هذه الأثناء، تتجمع بقية نسوة الساكن (الحي) بجانب البيت، متهيئات بأصواتهن الأنثوية العذبة، مشكلاتٍ صفوفاً على هيئة أقواسٍ متقاربة وشبه متقابلة. وما إن تلح العروس في الأفق حتى يتقدمن نحوها، وتتعالى أصواتهن بالترحاب الجماعي المادح لها وللعريس، مرددات بزجلٍ شجي:
صَـبَاح الخير لِـلْخِير.. وَا صَـبَاح العَـافِيَة
صَـبَحْنَا بِـظَبْيَة والنَّـمِر ذِي جَـابَهَا
وإذا ما تسرب خبرٌ من أحد الشواعة بأن نساء أهل العروس قد “هجّينهم” (أخرجنهم بأهازيج توديع متباطئة) وتسببن في تأخيرهم أثناء الخروج، ينقلب اللحن إلى عتابٍ أبيض متسائل:
حَـرِيْوَة وِِيْن ظَـلِّيْش.. شَـرَق البَـاكِر عَلَيْش!
ثانياً: التحام الصفوف والزحف نحو السدة
ما إن تلتحم النسوة المستقبلات بالعروس، حتى يطوقنها بشبه دوائر متراصة تحرسها المحبة، ويطلقن الزغاريد المدوية. يعكسن خط سيرهن ليمشين مع اتجاهها نحو البيت، مقسمات الصوت إلى فرقتين متجاوبتين، بلحنٍ جديد أكثر شجواً وإطراباً:
ألا يَا مَرْحَبَا حَيَّا بَذِي جَانَا دَخِيل اليَوْم..
ألا يَا مَرْحَبَا حَيَّا وَحَيَّا بْشِ وَبْصْحَابِش..
وتتوالى الأبيات الشعرية المرتجلة على هذا اللحن العذب، تتهادى العروس بينها كالملكة، حتى تصل إلى عتبة “السدة” (باب الدار الكبير).
ثالثاً: جلبة الدِحّاقة وولوج الدار
عند عتبة السدة، يتوقف الموكب للحظةٍ مشحونة بالرموز؛ حيث يتم ذبح “جلبة الدحاقة” (تيس مقرن اوكبش كبير الاستقبال)، وتترك بعد قطع رأسها على باب العتبة لتطأ الحريوة بقدَمها على جسدها، في طقسٍ يرمز لكسر الشر وبداية حياة جديدة. في هذه اللحظة، ترتفع أصوات النساء بأغاني الترحيب الممتزجة بالبركة:
وَعَمِّشْ قَالَ لِشْ حَيَّا.. ذَبَحْ لِشْ ثَوْر قِدَّامِشْ
وَمِدِّي رِجْلِشْ اليُمْنَى.. وَقُوْلِي وَالخَظِر وَاليَاسْ
تدخل العروس الدار، فتستقبلها أم العريس بنثر حبوب الذرة الرفيعة أمامها نماءً وبركة. وتبدأ رحلة الصعود في درج الدار الحجرية “رويداً رويداً”، والنساء يرددن أبيات الترحيب التي تجود بها هواجس الشواعر والشعراء، متجددةً ونابضةً بالإبداع في كل حفل.
رابعاً: في “المفرش” وصعود “الهدة”
يستمر الصعود حتى يلجن بها إلى “المفرش” (غرفة الإقامة والاحتفال الرئيية). وهناك تتصدر الغرفة “الهَدِة”؛ وهي مخدع العروسين المرتفع عن الأرض بأكثر من متر، والمغطى بستارة زاهية تسمى “المحجبة”.
بسبب ارتفاع الهدة، وجب على “الحريو” (العريس) أن يحمل عروسه لمساعدتها على الصعود. وهنا يتغير إيقاع اللحن تزامناً مع هذا المشهد الحميمي، لتغني النساء بحماس:
اِزْقِرِي بِهْ وَاحْلَالِي.. مَنْ زَقَرْ بِهْ مَا يَضِيعْ
اِزْقِرِي بِهْ وَاضْمَارِي.. قَدْ زَقَرْنَا بِهْ جَمِيعْ.
وما إن تستقر العروس داخل محجبتها مع حريوها، وتصعد “المسايرة” لتكون ثالثتهما داخل المحجبة لتوجيهها، حتى تتعالى الزغاريد مجدداً.
فأل الذرية: في هذه اللحظة، تعمد إحدى قريبات العريس إلى رمي طفلٍ ذكر من الصبية الصغار إلى حضن العروس، تيمناً بأن ترزق بالذرية الصالحة من الذكور، الذين كانوا في عادات يافع زمان عماد العائلة وسند القبيلة.
ماء الحتّامة: يقدم العريس لعروسه كأساً من الماء لتشربه من يده، لكن “المسايرة” تشير إليها خفيةً بألا تشرب! فتتمنع العروس بذكاء ودلال حتى يلبى طلبها بـ “الحِتّامة” (مبلغ مالي يدفعه العريس ترضيةً لها).
طقس العصيد ونفش السمن: يأتون للعروسين بقدح من العصيد اليافعية الساخنة يتوسطها فجوة مليئة بالسمن البلدي. يجب على الحريو والحريوة أخذ “لقيمة” وغمسها مع أطراف أصابعهما بالسمن، وبعد ابتلاعها، يقوم كل منهما بـ “نفش” الآخر (مسح ما علق بأصابعهما من سمن على شعر أو وجه شريكه) في أجواء تملؤها البهجة والمداعبة.
خامساً: رقصات المفرش والترقّب
تستمر الرقصات النسائية داخل المفرش، وتتمايل الأجساد على وقع أهازيج تصف راحة العروس وسعادة عريسها:
وَصَلْتِي مَطْرَح الرَّاحَة.. عَلَى كَمْبَلْ وَطَرَّاحَة
وَجُهْدًا قَدْ أَوِي سَالِي.. لَقَطْ حَبَّة مِنيَ الحَالِي
وتتوالى أبيات المديح؛ فتارةً تُشبّه العروس بـ “قصعة الطيب”، وتارةً بـ “الفاكهة النادرة”، وأخرى بـ “شرعة العسل”. ويستمر هذا الألق حتى يلوح موعد وصول موكب أهلها. (ففي بعض مناطق يافع زمان، يصل الأهل في نفس اليوم، وفي مناطق أخرى يصلون في اليوم التالي المسمى “يوم الغون”).
سادساً: استقبال وفد أهل العروس والمنصاع
حين يرد خبر وصول وفد أهل الحريوة (العروس)، تخرج الحريوة من محجبتها حاملةً “مقطرة البخور” ويتقدمها عريسها، ومعهما ثلة من نساء البيت المقربات بالمباخر والزغاريد.
الموكب والحبيل : يتقدم الموكب الخارجي “الشاحذ” (المطبل والمقصب) بقرعات طبله الحماسية، وخلفه رجال المستقبلين المتأهبين عند “المنصاع” (ميدان الرماية). يقوم الشاحذ بذبح غنمة أمام الوافدين، ويتسلم الولدان الأغنام التي ساقها أهل العروس معهم آلة الحريوة . تلج النساء إلى المفرش، بينما يتوجه الرجال صوب المنصاع.
يفتتح الحريو الرمي بإطلاق رصاصاته الأولى على (“مروته”)، ثم يتوالى رجال المستقبلين واحداً تلو الآخر. وما إن يفرغوا، حتى يُفسح المجال لرجال موكب أهل العروس. الشاحذ مستمر بالطبل، وكلما أصاب رامي الهدف (“المرو”)، تحجر (تزغرد) النساء المتلقيات بمقاطر الدخون ، ويقوم الشاحذ بـ “الملّاح”؛ فيصيح بأعلى صوته معظّماً الرامي:
”وووا كَذَا مَلِيْح لِفُلَان بْن فُلَان.. وَأَنَا عَبْدُه وَعَبْد مَنْ تَرْمِي مِثْلَه!”
(وجدير بالذكر أن مراسيم استقبال أهل الحريوة في بيت العريس تكاد تشبه استقبال الشواعة في بيت أهلها، إلا أنها هنا تخلو من الزوامل والهواجل الشعرية والبرع والرجزات).
سابعاً: الاستلاب والضيافة:
بعد انتهاء منافسة الرماية، يتم رد السلام بوقار بين كبار الموكبين، ثم يتصافحون. تلي ذلك الاستلاب المتمثل في “تسليم الاسلحة من الضيوف للمضيفين “؛ حيث يقوم رجال القبيلة المضيفة بحمل أسلحة ضيوفهم إعظاماً لهم، والتوجه بها إلى مفرش الاستضافة، حيث تُعلّق البنادق في “المعاليق” الخشبية أو الحديدية المثبتة في جدران البيوت اليافعية القديمة والمخصصة لهذا الغرض.
ثم تُقدم لهم وليمة الضيافة الدسمة؛ وغالباً ما تكون العصيد والسمن والعسل إن كان الوقت ظهراً، أو اللحم والخبز والمرق اليافعي العبق إن كان الوصول عصراً.
ثامناً: #المفرق والحرواي اي الفدية
بعد انقضاء المأدبة، يخرج العريس والعروس إلى مكانٍ متوسط يجتمع فيه كل المشاركين في الزواج. يقرع الشاحذ طبله قرعاً متميزاً يؤذن ببدء “الفدية”.
تبدأ العملية بفدية غنمة تُدار فوق رؤوس العرسان، ثم يتوالى الحاضرون برمي الفلوس (المبالغ المالية) فوق رؤوسهما تبركاً ودعماً. وكلما رما احدهم مبلغ صاح الشاحذ بالقول (واكذا مليح) ،وكل هذه المبالغ المجمعة تذهب مباشرة إلى جيب “الشاحذ”، كأجرٍ له نظير تكفله بالطبخ، والترحيب، والخدمات، علاوة على إحيائه ليالي السمر طوال أيام العرس اليافعي البهيج.
هكذا كانت يافع زمان؛ لا ترى في العرس مجرد اقتران شخصين، بل محفلاً لتوثيق الروابط العميقة، تتناقل أجياله تفاصيل هذه المراسيم بقدسيةٍ بالغة، تروي للزمن حكاية إنسانٍ طوع الصخر، وصنع من البارود واللبان لغةً للحياة والسلام.
……..
نكتفي بهذا الوصف التفصيلي والى حلقة اخرى نستكمل فيها باقي مراسيم الزواج التقايدي القديم في يافع زمان تقبلوا خالص تحايا هواجس الشتيت الثقافية