شارك الخبر
في سجل الرجال الذين صنعوا ملامح النهضة الفكرية والسياسية في عدن والجنوب، يبرز اسم محمد علي لقمان كواحد من أعمدة التنوير ورواد الصحافة والفكر والقانون، ورجلٍ جمع بين قوة الكلمة ونضال الموقف، فترك إرثاً خالداً امتد لأكثر من نصف قرن.
وُلد لقمان في عدن في 6 نوفمبر 1898م، ونشأ في بيئة مدينة عُرفت بانفتاحها الثقافي وتنوعها الحضاري، تلقى تعليمه في مدارس عدن، ثم واصل دراسته في بريطانيا حيث حصل عام 1922م على شهادة السنيور كامبردج، ليبدأ بعدها رحلة طويلة في ميادين التعليم والصحافة والقانون والسياسة.
عمل في إدارة مدارس عدن بين عامي 1924 و1928م، إلا أن مسيرته التعليمية توقفت بعد فصله إثر رسالة نقدية وجهها حول واقع التعليم بعنوان “هل هذه قصاصة ورق؟”، لتكون تلك الحادثة بداية انتقاله إلى ساحات أوسع من العمل العام.
انتقل لقمان بعدها إلى الصومال للعمل وكيلاً لإحدى الشركات، ثم توجه عام 1936م إلى مدينة مومباي الهندية لدراسة القانون، وحصل على شهادة المحاماة عام 1938م، ليصبح من أوائل العرب الذين مارسوا مهنة المحاماة في محاكم عدن والصومال، جامعاً بين المعرفة القانونية والرؤية الفكرية الإصلاحية.
رائد الصحافة العدنية
لم يكن لقمان مجرد محامٍ أو كاتب، بل كان مشروعاً تنويرياً متكاملاً؛ ففي عام 1925م أسس نادي الأدب العربي في عدن، وفي الأول من يناير عام 1940م أطلق صحيفته الرائدة “فتاة الجزيرة”، التي شكلت منبراً للأفكار الوطنية والإصلاحية، ثم أنشأ مطبعة خاصة أصبحت لاحقاً نواة دار فتاة الجزيرة.
وفي عام 1953م أسس الصحيفة الإنجليزية “إيدن كرونيكل”، ليعكس من خلالها قضايا عدن والجنوب للرأي العام العالمي، واستمرت الصحيفتان بعد وفاته تحت إشراف نجله الصحفي المعروف فاروق لقمان حتى استقلال اليمن الجنوبي عام 1967م.
قلم في مواجهة الاستبداد والاستعمار
ارتبط اسم محمد علي لقمان بالحركة الوطنية اليمنية وبعدد من رواد الإصلاح، وكان من الشخصيات المؤثرة في حركة الأحرار اليمنيين، وشارك في التخطيط لمحاولة إسقاط حكم الإمام يحيى حميد الدين عام 1948م بالتعاون مع شخصيات وطنية بارزة.
كما أسس مع عدد من رفاقه الجمعية العدنية عام 1948م التي هدفت إلى الدفع نحو تطور دستوري وحكم أكثر مشاركة في عدن ضمن إطار الكومنولث، وظلت حاضرة في المشهد السياسي حتى انحسرت نشاطاتها لاحقاً.
وفي عام 1962م، وعقب مساعي بريطانيا لفرض مشروع دمج عدن قسراً في اتحاد الجنوب العربي، توجه لقمان إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك على نفقته الخاصة، وتمكن من عرض قضية عدن أمام ممثلي الدول الأعضاء في خطاب تاريخي استمر أربع ساعات، دعا خلاله إلى إنهاء الوجود الاستعماري وتحقيق الاستقلال.
أديب ومفكر صاحب إرث واسع
ترك لقمان خلفه إنتاجاً فكرياً وأدبياً متنوعاً شمل الرواية والمقالة والدراسات السياسية والاجتماعية، ومن أبرز أعماله:
هل هذه قصاصة ورقية؟
بماذا تقدم الغربيون؟
رسالة رجب
سعيد (رواية)
الشعب البريطاني
أرض الظاهر
كملا ديفي (رواية)
انتصار الفكر
قصة الدستور اللحجي
عدن تطلب الحكم الذاتي
قصة الثورة اليمنية
جولة في بلاد الصومال
إلى جانب مئات المقالات والمذكرات التي نشرها في صحيفتيه “فتاة الجزيرة” و**”إيدن كرونيكل”**، والتي عكست رؤيته لقضايا الحرية والتعليم والإصلاح السياسي.
رحيل الجسد وبقاء الفكرة
توفي محمد علي لقمان في 24 مارس 1966م أثناء توجهه لأداء فريضة الحج، ودُفن في مكة المكرمة، بعد حياة حافلة بالعطاء الفكري والسياسي والصحفي.
لقد كان لقمان أكثر من صحفي ومحامٍ وشاعر فقد كان صوتاً تنويرياً لعدن، ورمزاً لعصر النهضة الفكرية في الجنوب، ورجلاً آمن بأن القلم يمكن أن يكون أداة للتحرر وبناء الوعي، ولهذا ظل اسمه حاضراً في ذاكرة الأجيال كأحد الرجال الذين صنعوا تاريخ عدن الحديث.