شارك الخبر
بقلم: عبدالفتاح نصر السنيدي
الشتيت ابونصراليافعي
___________________
في سِفْرِ التاريخِ صفحاتٌ لا تطويها الأيام، وذاكرةٌ حَيّةٌ ترفضُ الأفول؛ صفحاتٌ خُطَّت بدماء الأحرار وشَهَامَةِ الكِرام. ففي عام 1116هـ ، شَهِدَت جبالُ يافع الشَّمّاءُ مَلْحَمَةً فاصلةً انجلت غُبارُها عن هزيمةٍ ساحقةٍ لجيوش الدولة القاسمية، ودَحْرِهم الناجز من “قلعة الخلقة” في منطقة الحد يافع وإجلائهم عن الأرضِ إلى غيرِ رجعة.
ولأنّ يافعَ أصلُ العُرْفِ ووفاءُ المَعْدِن، لم تكتَفِ بالانتصار، بل جَعَلَت من المَجْدِ قلائدَ تُعَلَّقُ على صدور الأبطال. فصاغت من عِرْفِها القبليّ أوسمَةً ماديةً ومعنويةً تجاوزت ظَرْفِيّةَ اللحظة، لِتَتَوارَثَها الأجيالُ كابراً عن كابر على مدى أربعةِ قرون، شاهدةً على وفاءِ القبيلة لِمَنْ صَنَعُوا حُرِّيَّتَها.
أولاً: تكريمات معنوية :
١. برعة صاحب حبة : وهو التكريم الابرز الذي اعطي للفارس #مديد_الحبهي
يقال انه أول من أقتحم بوابة قلعة الخلقة ذلك البطل الفدائي مديد الحبهي من مكتب الحضارم الشبر
هذا الفارس البطل الذي اشتهر ببسالة وشجاعة كفارس بارز مبارز وسياف
لم يصارع احداً بالسيف إلأ غلبه
ويقال ان مديد كان قايدا بارعا لجيوش مكتب الحضرمي .
وعندما أجتمعت يافع بالقرب من تلك القلعة المتحصنين بداخلها كمعسكر حصين جوش الدولة القاسمية
كان على كتائب يافع ضرورة تقديم فرقة فدائية تدخل عليهم الى المسجد . وذلك بعدما تم اختيار ساعة الصفر لتكون صبيحة يوم العيد كي يباغتوا فيها العدو ، فكان اول من انبرى مهمة الاقتحام هو القائد مديد ،
وبعد ان ابلأ بلاء حسن وحقق النصر ان لتكون له أول برعة امام الجيوش اليافعية وفي الاحتفالات السنوية التي تقام في شبر الحضارم وبالهجر عند المحضار
فقال مديد قولته الشهيرة
(انا لها
مديد ومدة
وسيف ودرقة
وليلتكم الليله داخل الخلقه )
فاقتحم الخلقه ودخل بوابة المسجد
شاهراً سيفه وصوته يزئر مثل الاسد. يظرب كل من امامه
ويسرة ويمنة
حتى سطر ملحمة خالدة بقية للتاريخ
تدخلت على اثره بقية جيوش يافع ،وكان لهم النصر المؤزر العظيم .
٢. احتفال الهجر
في رابع العيد تم الأتفاق على ان يحتفلوا بالنصر في منطقة الهجر لبعوس كل عام
كتكريما لشهدائهم الذي سقطوا في ذالك اليوم
لان كثائب البعسي ابلت بلائاً حسناً بهذه المعركة.
ومنذ ذلك العام تَبْدَأُ ميادينُ البَرْعِ والزَّوامِلِ إلا بِمَقْدَمِ أَفْواجِ أَهْلِ “حَبّة”، لِيَكونوا أُولى الخُطُواتِ التي تَطَأُ المَيْدان، تحِيَّةً لِرُوحِ الفِدائيِّ الذي غَسَلَ بِمائِهِ وطِينِهِ كَرامَةَ المَنْطِقَة.
٣. يوم شبر الحضارم وشَهِيدُ المَاءِ والفِداء..
من الروايات يقال انه
في ذُرْوَةِ الحِصار، حِينَ اسْتَعْصَت القَلْعَةُ بِمَنَعَتِها، اسْتَوْجَبَتِ الخُطَّةُ حَفْرَ سَرْدابٍ تَحْتَ أُطُمِ الجَبَل لِثَقْبِ “ماجِلِ الماء” (سَدِّ الشُّرْب) داخِلَ القَلْعَةِ وحِرْمانِ العدوّ من شِرْيانِ حياته. وحينَ وَصَلَ الحَفْرُ إلى النَّقْطَةِ الحَرِجَةِ التي لا يَفْصِلُها عن انفجارِ المياهِ إلا قَلْعُ الحَجَرِ الأخير، كان الشَّرْطُ قاسيًا: فِدائيٌ يَدْخُلُ النَّفَقَ لِيَقْلَعَ الحَجَر، ويَمُوتَ غَرَقاً تحت حِمَمِ الماءِ المُندَفِع.
انْبَرَى لِهَذِهِ المَلْحَمَةِ بَطَلٌ مِنْ قَرْيَةِ “من شبر الحضارم “، باَعَ نَفْسَهُ لِلّهِ وَلِلْوَطَن. ولَكِنَّهُ قَبْلَ أنْ يَلْوَجَ السَّرْدابَ الأخير، لَمْ يَطْلُب مالاً ولا جَاهاً، بَلِ اشْتَرَطَ مَجْداً مَعْنَوِيّاً يَبْقى لِأَهْلِهِ مدى الدَّهْر: أنْ تَكونَ بَعْدَ النَّصْر. تكريما سنويا في قريته شبر الحضارم بعد عيد الاضحى كل عام
ومُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ وإلى يومِنا هَذا، في المَهرجاناتِ السَّنَوِيَّةِ التّاريخيةِ في “شبر الحضارم “،
ثانياً: تكريمات مادية
١. “قَرْشُ” بن مانع
حين تَصْمُتُ الألسُنُ وتَتَكَلَّمُ الطُّبُول، يقِفُ الرجالُ مواقِفَ تَهْتَزُّ لها الرَّواسي. تُوَاثِرُ الرواياتُ أنَّ ابنَ مانع كان ذلك البَطَلَ الذي قَرَعَ طَبْلَ الحربِ أمام جيوش يافع، يَبُثُ الحَمَاسَ في الصُّدور ويُقْضِ المَضاجِعَ في قلوب الغُزاة حتى انْجَلَتْ حُشودُهم.
وتقدِيراً لِهَذِهِ الصَّيْحَةِ التي أَيْنَعَت نَصْراً، أَقَرَّت قبائلُ يافع تكريماً نادِراً يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ إشراقَةِ حَياة؛ إذ جَعَلَت له ولأحفادِهِ “قَرْشاً” تُؤَدّيهِ المَكاتِبُ الخَمْسَة لِيافع العليا عن كُلِّ مَوْلودٍ ذَكَر. جائزةٌ ماديةٌ بِمَعْنى خَالِد، كَأنَّما تقولُ يافع: إنَّ كُلَّ طِفْلٍ يُولَدُ حُرّاً في هَذِهِ الجِبال، هُوَ مَدِينٌ بنَخْوَتِهِ لِذَلِكَ الطَّبْلِ الذي قُرِعَ يومَ الجَلاء.
٢. “قَرْشُ” بن شلال الشعيبي
في أطرافِ يافعَ باتِّجاهِ الشَّعيب، كان لِلْكَرَمِ عُنْوانٌ آخَرُ اسمه بن شلال. فَعِنْدَما انْدَفَعَتْ جُيوشُ يافع لاستكمال طَرْدِ فلول القاسميين، حَلَّتْ تِلْكَ الجُيوشُ الغَفِيرَةُ ضُيوفاً بغتَةً على دِيَارِهِ. ولأنَّ المُنَاسَبَةَ خَلَتْ مِنَ الإِعْدَاد، أبى بْنُ شَلالَ إلا أنْ يَكُونَ أَهْلاً لِلهَيْبَةِ؛ فَذَبَحَ شِياعَهُ وأغْنامَهُ حَتّى نَفِدَت، ثُمّ أَتْبَعَها بِآخِرِ بَقَرَةٍ يَمْلِكُها.
وَلَمّا لَمْ يَجِدْ حَطَباً يَكْفي لِطَبْخِ هَذِهِ المَكْرُمَة، قَامَ بِهَدْمِ سَقْفِ “دِيمَةِ الصَّعْد” (مَطْبَخِ بَيْتِهِ) وقَطَعَ أخشابَها ليَجْعَلَها وَقُوداً لِلطَّبْخ!
أمامَ هَذِهِ المُرُوءَةِ الحاتِمِيَّةِ التي أذهَلَت بني قاصد وبني مالك، اتَّفَقَتْ مَكاتِبُ يافعَ بني مالك الخَمْسَة على تكريمٍ يَليقُ بِهَذِهِ النَّخْوَة: أنْ يَكونَ لِابْنِ شَلالَ وأحفادِهِ “قَرْشٌ” عَنْ كُلِّ رَجُلٍ يَتَزَوَّجُ في سائرِ مَناطِقِ يافع بني مالك. لِيَغْدُوَ ابنُ شَلالَ حَاضِراً في كُلِّ فَرْحَة، يَأْتي بَعْدَ كُلِّ زِفافٍ لِيَقِفَ بِبابِ العَرِيس، يُرَدِّدُ أَدْعِيَةَ البَرَكَةِ ويَشْدُو بِمَكارِمِ يافع وأخْلاقِها، ولا يَنْصَرِفُ إلا وَفي يَدِهِ “قَرْشُ الوَفاء”.
٣. كاس بالداؤودي
نظرا للبطولة التي اجترحها القائد الشيخ علي بن احمد داؤود الحدي خلال المعارك السابقة لتلك الموقعة التي امتدت قرابة خمسون عام وبالتحديد المعركة التي قادها الداؤدي في 1083 هجرية باعتبارهم كانوا من يجيشوا في تلك القلعة قبل دخول العثمانيون ثم القاسميون
ولم يستكين لهم بال بالمقاومة والمناوشات خلال تلك السنوات حتى جائت ساعة الحسم بجيوش يافع قاطبة، فقد اعطي له الكاس الخامس من العشير الذي فرضته يافع للسلطان بن هرهرة سلطان يافع بني مالك
٤. اعفاء بني بكر من العشير للسلطان بن هرهرة: نظرا لما قدمه فرسان بني بكر من تضحيات بالارواح والمال والبلد فقد اقر اعفائهم من دفع العشير المفروض للسلطنة المالكية كتقديرا لبطولاتهم. .
ثالثاً: تكريمات تمثلت بمناصب شرفية منها :
١. رَجُلُ المِحْبَرَةِ والمِنْبَر.. القاضي بن عز الدين البكري
لم تكن الحربُ قِتالاً بالصِّلابِ وحدها، بل كانت رأياً يُسَدَّدُ ومَشُورَةً تُجْمَع. كان القاضي الفقيه احمد بن عبدالله بن عز الدين البكري هو صوتَ العَقْلِ وباعِثَ النَّخْوَة؛ إذ جَالَ بِمَكاتِيبِه بين عُقّالِ يافعَ وأعيانِها وأفخاذِها، يُؤَلِّفُ القلوبَ ويُسْتَنْهِمُ الحَمِيَّةَ لِمُجَابَهَةِ القوات الغازية التي حَصَّنَت نفسها في قلعة الخلقة.
وحين تجلّى النَّصْرُ ومُحِقَ الباطل، أبَتْ يافعُ إلا أن تَضَعَ الهامَةَ في مَوْضِعِها؛ فأجمعَتْ مَكاتِبُها على منحِه مَنْصِبَ “قاضي قُضاةِ يافع بني مالك”، لا كَتكليفٍ عابِر، بل كَلَقَبٍ فِعْلِيٍّ ومَعْنَوِيٍّ خالِدٍ لَهُ في حياته، ولِمَنْ يَخْتارُهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِه، لِتَبْقَى دَواةُ الفِقْهِ وسَنامُ العَدْلِ مَوْروثاً في سُلالَتِهِ إلى الأبَد.
٢. سلطان الشمل العفيفي
نظرا للدعم المالي واللوجستي التي تلقته قبائل الحد من سلطان سلطنة بني قاصد وجيوش مكاتب يافع بني قاصد فقد اعطي للسلطان معوضة العفيفي لقب سلطان شمل يافع، ليبقى هذا اللقب له ولذريته من بعده كسلاطين ملم شمل ليافع.
٣. نقيب شمل يافع :
كما اعطي لقبنقيب شمل يافع لعاقل مكتب الموسطة كتقديرا لدورة في تنظيم واختيار قادات نقباء كتائب الجيش اليافعي.
،،،،،،،
خاتمة: عُرْفٌ لا يَمُوت
إنَّ هَذِهِ الجَوائِزَ التي صيغَتْ قَبْلَ أَرْبَعَةِ قُرونٍ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَعْرافٍ قَبَلِيَّةٍ عابِرَة، بَلْ هِيَ “وَثِيقَةُ وَفاءٍ اجتماعي” خَلَّدَتْ الخَبِيئَةَ الصّالِحَةَ والشَّجاعَةَ الماحِقَة. لَقَدْ بَرَهَنَتْ يافعُ عَبْرَ تاريخِها أنّ مَنْ يَبْذُلُ لَها دَماً أوْ عِرْقاً أوْ كَرَماً، تَجْعَلُ اسْمَهُ أُقْصُودَةً تَتَرَنَّمُ بِها الأجْيال، وتَحْفَظُ حَقَّهُ حَتّى يَرِثَ اللهُ الأرْضَ ومَنْ عَلَيْها.
………
ختاماً : سنرفق لكم صورة القلعة مع نسخة من قصيدة للشاعر الفقيه بن عزالدين البكري تؤرخ تلك الملاحم .
كما نرجوا من لديه اي معلومات أضافية في هذا الموضوع يتفضل بوضعها في تعليق .
مع خالص تحايا هواجس الشتيت الثقافية