شارك الخبر
دلتا برس ـ بقلم/ أحمد يسلم
على عكس ما ذهب إليه معظم الكتاب والمتحزبين الشماليين، وطائفة المرجفين الشملجيين الذين سارعوا إلى إثارة الغبار وصنع “زوبعة في فنجان” إزاء تعيين السيدة الدكتورة أفراح الزوبة وزيرةً للخارجية، وقرار تعيين زميلتها عهد جعسوس لوزارة الإدارة المحلية؛ يقف المتابع المنصف أمام حملة ظالمة شرسة تتصدرها بعض القوى الحزبية والإصلاحية على وجه الخصوص وملقوفوهم، ممن توزعوا الأدوار بين شامت، وساخر، وفاجر وموتور، ومتبلي
وهأنذا أكتب اليوم مدفوعاً بقناعاتي المبدئية والراسخة بشأن “نسونة مناصب الدولة”؛ هذه القناعة التي لم تكن وليدة اللحظة ولا ردة فعل عابرة، بل هي حصيلة معايشة وتأمل لما تتميز به القيادات النسوية من صدق في الأداء، وإخلاص للمؤسسية، وامتثال صارم للقوانين، وحرص تجسّد في كل موقع تولته المرأة في الممالك والدول القديمة عبر تاريخها القديم و المعاصر.
ولعل القراء الكرام يتذكرون ما نشرته لي كبرى الصحف الوطنية وأشهرها—صحيفة «الأيام»—في صدارة صفحتها الأخيرة؛ ذلك المقال الذي أحدث إشراقةً فكرية وزخماً واسعاً تردد صداه في الداخل والخارج حين تساءلت بنبرة وطنية صادقة:
«ألن تصلح اليمن إلا في حكم امرأة؟»
يومها، توالت التعقيبات والمساجلات والمنتديات بين مؤيد ومعارض في «الأيام» وغيرها من الصحف المحلية والعربية، واليوم يعيد التاريخ نفسه ليعزز صوابية ذلك الطرح. إن استدعاء هذه الفكرة واستنادي إليها ينطلق من مبررات موضوعية وحقائق تاريخية لا يقبل الجدال فيها:
أولاً: الشاهد التاريخي.. أزهى العصور في حكم امرأة
إن التاريخ يخبرنا بصوت حي لا يأتيه الباطل، أن أزهى عصور الوطن استقراراً، وازدهاراً، وحكمة، كانت تلك التي أدارت قيادتها النساء؛ فمن الملكة بلقيس التي أدارت أزمات دولة الشورى بالحكمة والتحضّر، إلى شورى وحكمة أروى بنت أحمد الصليحي التي بنيت في عهدها المدارس والسدود وساد الاستقرار والعدل. تاريخنا الناصع يقول إن المرأة اليمنية إذا تولت زمام الأزمات أعادت للبلاد توازنها ووقارها.
ثانياً: حصاد عقود من حكم المردة والمدقنين”
في المقابل، ماذا قدمت لنا تجارب العقود الطويلة من الاستئثار والاحتكار الذكوري للسلطة؟ إن القراءة المجردة لما آلت إليه الأوضاع تؤكد أن التجارب في حكم هولاء لم تورث هذا الوطن سوى المآسي، والحروب، والنزاعات الفئوية، والانقسامات السياسية والاجتماعية والدينية التي لا تُعد ولا تُحصى. لقد أثبتت الصراعات المتعاقبة أن تغليب منطق المغالبة والعصبية الذكورية لم ينتج دولة، بل أنتج أزمات وكوارث متناسلة افدحها اليوم .
ثالثاً: المرأة والحيادية والديمقراطية بالفطرة
المرأة في جوهرها وسلوكها الإداري ديمقراطية بالفطرة؛ فالديمقراطية والمرأة وجهان لعملة واحدة. تدير الأمور بمنطق الاستيعاب، والتنسيق، والبناء المؤسسي، بعيداً عن أوهام الفحلية السياسية والمغامرات غير محسوبة العواقب. إن تعيين شخصية بأبعاد كفاءة الدكتورة أفراح الزوبة في وزارة الخارجية وعهد جعسوس في الإدارة المحلية ليس مجرد استحقاق جندري، بل هو ضرورة دبلوماسية للخطاب المتزن، وإعادة تقديم البلاد للعالم بوجوه تعكس الدولة والقانون والأناقة الدبلوماسية وعفة الخطاب
إن الحملة المحمومة التي تشنها بعض الأطراف الحزبية والسياسية اليوم لا تعبر عن الحرص على مؤسسات الدولة، بل تجسد خيبة أمل المتربصين الذين يرون في تمكين الكفاءات النسوية المستقلة والوطنية تجريفاً لمساحات النفوذ والمحاصصة الحزبية الضيقة.
إن الدكتورة أفراح الزوبة في الخارجية، وعهد جعسوس في الإدارة المحلية، لا تمثلان شخصيهما فحسب، بل تمثلان مشروع استعادة الدولة بروح أحدث، وأكثر انضباطاً، وأقدر على ترميم ما هدمته حروب الرجال. فلنبتعد عن الإثارة والزوبعة، ولنعطِ الحكمة والالتزام فرصتهما الكاملة ليقودا السفينة إلى بر الأمان والطمأنينة أن شاء الله .