شارك الخبر
طلقني زوجي طلاقًا نهائياً، ومضى على انفصالنا سنة ونصف، وهو الآن يرغب في العودة بحجة الأولاد. ولم يعد أمامنا حل سوى أن أُحلَّل حتى نتمكن من الرجوع. وقد خطرت لي فكرة أن أطلب من أحد الأشخاص الذين عرفتهم منذ أيام الجامعة، وكان الزواج من أحدهم حلمًا بالنسبة إليّ، أن يحل هذه المشكلة.
كان زوجي يطلقني عند كل خلاف، حتى وصل الأمر إلى أن أصبح رجوعنا متوقفًا على وجود محلل.
ولم أكن أريد أي محلل فحسب، بل أردته أن يكون واحدًا ممن كنت أحلم بهم في الماضي.
وبالفعل، تواصلت مع ياسر.
كان ياسر هو الحلم القديم، ذلك الشاب الذي كان مجرد حضوره في أيام الجامعة يجعل قلبي يخفق بلا سبب. مرت السنوات، وتزوجت عصام، الرجل الذي كانت عبارة: «أنتِ طالق» على لسانه أسهل من قوله: «صباح الخير». كان يظن أن الزواج لعبة، وكلما غضب أو ثار نطق بالطلاق، حتى وقعت الطلقة الثالثة، فوجدت نفسي منذ سنة ونصف في بيت أهلي، منفصلة، ومعي أولاد لا ذنب لهم في أب مستهتر.
طوال تلك السنة والنصف، حاول عصام بكل الطرق أن يعيدني إليه، فتوسل، وأرسل الوسطاء، وقال: «من أجل الأولاد». لكن الشرع والقانون كانا واضحين، فلا سبيل إلى الرجوع بعد الطلاق البائن إلا إذا تزوجت زوجًا آخر زواجًا صحيحًا، ثم انتهى ذلك الزواج بطريقه الشرعي، دون اتفاق مسبق بقصد التحليل.
وكانت فكرة ما يسمى بـ«المحلل الصوري» أو إدخال رجل إلى حياتي لمجرد استيفاء الأوراق فكرة تخنقني، وكنت أرفضها تمامًا.
وفجأة، وسط تلك الحيرة، لمعت في ذهني فكرة مجنونة، تحمل شيئًا من الرغبة في الانتقام من سنوات القهر، وشيئًا من أحلام قديمة كنت قد دفنتها بيدي.
قلت لنفسي:
«إذا كان لا بد من الزواج، فلن يكون من أي شخص، بل من أحد الذين كنت أتمنى يومًا مجرد إشارة منهم.»
فتحت حسابي القديم، وبحثت بين الأسماء حتى وصلت إلى بريده الإلكتروني ورقم هاتفه الذي وجدته في مجموعة الدفعة.
كان اسمه: ياسر.
المهندس الذي سافر إلى الخارج، وحقق نجاحًا كبيرًا.
ترددت كثيرًا، وكانت أصابعي ترتجف وأنا أكتب له رسالة عبر تطبيق «واتساب»، لكنني في النهاية ضغطت زر الإرسال:
«مرحبًا يا باشمهندس ياسر… أنا رانيا، زميلتك من أيام الجامعة. لا أدري إن كنت تذكرني أم أن السنوات أنستك الدفعة وأيامها. كنت أحتاج إلى استشارتك في أمر مهم، إذا كان لديك متسع من الوقت.»
لم يصلني الرد فورًا، فظللت أدور في الصالة بقلق، وكانت دقات قلبي تتسارع، وخوفي من أن يتجاهلني أو يحرجني يزداد مع كل دقيقة تمر.
مرت ساعتان كاملتان، ثم أضاء الهاتف، ووصلت الرسالة.
فتحتها بسرعة، فوجدته يكتب:
«يا لها من مفاجأة… رانيا؟ بالطبع أذكرك، وهل يمكن لأحد أن ينسى أيام الجامعة، وأجدع فتاة في الدفعة؟ سعدت بسماع أخبارك. أخبريني، ما الأمر المهم؟ أنا موجود في مصر حاليًا في إجازة قصيرة.»
اقشعر جسدي عندما قرأت أنه موجود في مصر.
لم يعد الأمر مجرد رسالة أو استشارة عبر الإنترنت، بل أصبح حقيقة قريبة جدًا.
ابتلعت ريقي، وكتبت له:
«الموضوع يطول شرحه، ولا يصلح للرسائل. إذا أمكن، أود أن نلتقي في مكان هادئ، لأنني أمر بظروف صعبة، وأحتاج إلى رأيك.»
واتفقنا على اللقاء في اليوم التالي، في مقهى هادئ يطل على النيل في الزمالك.
لم أنم طوال الليل.
وقفت أمام خزانة ملابسي، فمنذ سنة ونصف لم أرتدِ فستانًا جميلًا، ولم أعد أهتم بنفسي.
أخرجت فستانًا كحليًا بسيطًا، ورتبت حجابي، وأنا أشعر وكأنني عدت فتاة في العشرين من عمرها، ذاهبة لمقابلة حب عمرها، لا امرأة مطلقة تبحث عن مخرج لأزمتها.
وصلت إلى المقهى قبل الموعد بعشر دقائق.
جلست إلى طاولة تطل مباشرة على النيل، وكنت أفرك يدي من شدة التوتر.
وفجأة، سمعت صوتًا رجوليًا هادئًا خلفي يقول:
«السلام عليكم… رانيا؟»
التفت بسرعة، فإذا به ياسر.
لقد غيرته السنوات إلى الأفضل، فأصبح أكثر وقارًا، وزادت الشعيرات البيضاء القليلة في لحيته هيبة، وكان يرتدي قميصًا كلاسيكيًا أنيقًا.
وقفت بخجل، وقلت:
«وعليكم السلام… أهلًا يا ياسر، تفضل.»
جلس أمامي، وأخذ يتأمل ملامحي باهتمام، ثم قال مبتسمًا:
«ما شاء الله يا رانيا، لم تغيرك السنوات كثيرًا، فما زلت كما أنتِ… لكن عينيك تخفيان حزنًا كبيرًا. أخبريني، ما الذي يحدث؟»
شعرت بغصة في حلقي.
صمتُّ لحظات، ثم بدأت أحكي له عن عصام، وعن تهوره، وعن الطلقات الثلاث التي أوقعها في لحظات غضب، حتى وصلنا إلى طريق مسدود، وأصبحت أعيش في بيت أهلي منذ سنة ونصف، بينما يقلب عصام الدنيا كلها ليعيدني، ولا يوجد أمامه إلا الزواج من زوج آخر زواجًا صحيحًا إذا أراد أن يعود إليّ بعد ذلك وفق الأحكام الشرعية.
كان ياسر يستمع إليّ وملامح الضيق ترتسم على وجهه كلما ذكرت تصرفات عصام، ثم قال بنبرة جادة:
«هذا رجل غير مسؤول. الزواج ليس لعبة في يد طفل يطلق متى شاء ثم يندم عندما يريد… وأنتِ، هل ترغبين في العودة إليه؟»
خفضت رأسي وقلت بصوت خافت:
«من أجل الأولاد… فهم لا ذنب لهم أن يعيشوا مشتتين. لكنني أرفض أي زواج صوري أو أي تحايل، فقد تعبت كثيرًا، ولم أعد أعرف ماذا أفعل.»
ساد الصمت بيننا قليلًا.
ظل ياسر ينظر إلى النيل وكأنه يفكر بعمق.
وكان ذلك الصمت يقتلني، فقد خشيت أن يكون قد فهم ما يدور في ذهني، أو أنه استنتج شيئًا لم أصرح به.
وفجأة التفت إليّ، ونظر مباشرة في عينيّ بنظرة امتزج فيها الجِد والاهتمام القديم الذي كنت ألمحه في ممرات الجامعة، ثم قال بصوت هادئ وحازم:
«وماذا لو قلت لك إن الحل عندي… وإن الغريب لن يكون غريبًا؟»
توقفت أنفاسي، وشعرت وكأن الدنيا تدور بي…
هل فهم ياسر ما كان يدور في خاطري؟
أم أن الحكاية ستأخذ طريقًا آخر لم أكن أتوقعه؟
يا ترى ماذا سيحدث؟
وهل سيوافق ياسر على الزواج بدافع إنقاذ زميلة قديمة، أم أن وراء الأمر مشاعر أخرى ستقلب كل الموازين؟
للكاتب: روماني مكرم.