شارك الخبر
خاص لدلتابرس . _ هواجس الشتيت الثقافية كتبها ابن اخته عبدالفتاح نصر السنيدي
@الشتيت ابو نصر
____________________
في تاريخ الشعوب محطات فارقة تصنعها قامات استثنائية تجسد مفهوم البسالة والتضحية؛ وفي صميم المعركة الوطنية الجنوبية، يبرز اسم الراحل اللواء الركن #بدر_صالح_محمد_السنيدي، رئيس أركان حرب سلاح المدرعات وقائد اللواء الخامس مدرع سابقاً، كأحد أنصع رموز المؤسسة العسكرية لجيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
البدايات الأولى.. نبتة صلبة من جبال “يافع”
ولدت هذه الشخصية الفذة عام 1947م في قرية “دار الحبيل” بجبل السنيدي (مكتب كلد – يافع بني قاصد)، الواقعة حالياً ضمن مديرية سرار بمحافظة أبين. تلقى بطلنا مبادئ القراءة والكتابة الأولى في “معلامة” الفقيه عبدالرب صالح العبادي.
ومع بزوغ الستينيات، بدأ شغفه العسكري يتشكل؛ حيث التخق الخطوة الأولى بالالتحاق بـ “جيش القعيطي” في حضرموت، ليستكمل مساره في عام 1964م بالانضمام إلى الكتيبة الخاصة (“جيش الليوي”). هناك، بزغ نجمه ليرتقي إلى رتبة “رقيب ثاني” ويثبت كفاءة ميدانية عالية في كتيبة الاستطلاع العسكري حتى عام 1972م، وهو العام الذي ترفّع فيه إلى رتبة “ملازم مرشح”.
تأهيل أكاديمي وتدرج قيادي في سلاح الدروع
لم يكتفِ القائد الشاب بالخبرة الميدانية، بل صقلها بالتحصييل الأكاديمي:
عام 1973م: تخرج في الدفعة الثانية للكلية العسكرية بعدن متخصصاً في “المدرعات” برتبة ملازم ثاني.
القيادة الميدانية: عُيّن قائداً لكتيبة مدرعات في “لواء باصهيب” بمنطقة بيحان (محافظة شبوة).
عام 1977م: تولى أركان سلاح المظلات، قبل أن يُبتعث إلى الاتحاد السوفيتي ليعود منها قائداً لكتيبة الدروع.
التخصص العالي (1980 – 1985م): نال درجة الماجستير في علوم المدرعات بعد دراسة أكاديمية متخصصة في الاتحاد السوفيتي استمرت خمس سنوات، ليعود ويتولى أركان اللواء الثالث مدرع.
أحداث يناير 86.. حنكة ميدانية وضريبة الجسد
خلال أحداث يناير 1986م المؤلمة، برز السنيدي كـ “رجل الإطفاء الأول” والرمز الأشهر في حسم الصراع وإخماد الفتنة بفضل حنكته وشجاعته. دفع القائد ثمن جهوده الوطنية إصابتين بالغة بطلقات نارية في الخاصرة والركبة، خضع على إثرها لرحلة علاجية طويلة في الخارج.
عقب عودته، صدر قرار جمهوري بتعيينه رئيسأ لأركان سلاح الدروع—والذي كان يُعد أقوى التشكيلات العسكرية في دولة الجنوب أنذاك—ثم قائداً للواء الثالث مدرع، وصولاً إلى قيادة سلاح الدروع كاملاً. ومع إعلان الوحدة اليمنية عام 1990م، عُيّن قائداً للواء الخامس مدرع.
شرف السلاح وملاحم صيف 94
عانى الفقيد من مضاعفات إصاباته التي أتلفت إحدى فقرات ظهره، وبينما كان يتلقى العلاج في بريطانيا على نفقة محبيه بالتزامن مع إعلان الوحدة عام 1990م، تسببت التجاذبات السياسية في توزيع المناصب العليا بعيداً عنه، ليُعيّن بعدها قائداً للواء الخامس مدرع، وهو المنصب الذي استمر فيه حتى حرب صيف 1994م.
عملية “دوفس”.. الخروج الإعجازي من كسر الأسر
قبيل اندلاع حرب 94 وفي خضم التوتر العسكري بين طرفي الوحدة، كُلّف العميد السنيدي بتجهيز كتيبة من اللواء الخامس (المرابط في بئر أحمد بعدن) والتحرك بها نحو زنجبار بأبين لتعزيز “لواء مدرم” المقابل لـ “لواء العمالقة”.
وفي كمين محكم بمنطقة “دوفس”، حاصرت قوة تسللت من لواء العمالقة سيارة القائد السنيدي المتقدمة. تعامل القائد مع الموقف بصلابة ورباطة جأش؛ إذ صعد معه جنديان مدججان بالأسلحة داخل سيارته. وعند وصولهم قبالة بوابة لواء العمالقة، أوعز السنيدي لسائقه بالانحراف الخاطف يساراً نحو بوابة “لواء مدرم”، وفي لحظة خاطفة ومباغتة، جرد مسدسه واستهدف الجندي خلفه، فيما سقط الجندي الآخر من الباب لتنطلق السيارة بسرعة جنونية. رغم وابل الرصاص بكثافة من سلاح “الدوشكا” وتفجير إطارات السيارة، تمكن السنيدي من اقتحام بوابة اللواء وكسر الأسر محافِظاً على شرفه العسكري في ملحمة تشبه مشاهد السينما المأهولة بالبطولة.
شموخ الزهد.. والرحيل المهيب
بعد حرب 94 وإعادة احتلال الجنوب، آثر اللواء السنيدي الاعتكاف في منزله وبين أهله، رافضاً بكرامة وعزة كل الإغراءات والمناصب العسكرية العليا التي عرضها عليه نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، حتى أحيل للتقاعد القسري عام 2001م.
وفاء لم تنله المؤسسة:
صارع الراحل المرض لسنوات طويلة بشموع وعزة نفس، رافضاً المساعدة من الوزارة التي أفنى شبابه في خدمتها، حتى فاضت روحه إلى بارئها في 24 رمضان 1429هـ (الموافق 24 أغسطس 2008م).
شُيّع جثمانه الطاهر في العاصمة عدن بموكب جنائزي مهيب لم تشهد المدينة مثيلاً له؛ حيث ذرفت دموع محبيه دموع الوداع، وتقدم الموكب رفيق دربه اللواء الركن الشهيد سالم علي قطن (نائب رئيس الأركان حينها) بصفته الشخصية، إلى جانب الآلاف من القيادات السياسية والعسكرية والمشايخ والمواطنين الذين احتشدوا لوداع قائد حُفر اسمه بحروف من نور في ذاكرة الوطن.
رحم الله القائد البطل اللواء الركن بدر صالح السنيدي، وأسكنه فسيح جناته.