شارك الخبر
ما شهدته أديس أبابا خلال السنوات الأخيرة ليس مجرد تحديث عابر، بل تحول هيكلي استراتيجي أطاح بالصورة النمطية لمدينة كانت، حتى وقت قريب، نموذجاً للتناقضات العمرانية الصارخة. بين زيارتي الأولى لها قبل نحو أحد عشر عاماً واليوم، تقف العاصمة الإثيوبية كشاهد على إرادة سياسية وتخطيطية استطاعت في مدة زمنية وجيزة أن تعيد رسم وجه المدينة السياسي والاقتصادي والاجتماعي عبر رؤية استراتيجية واضحة المعالم والهدف.
من مدينة التناقضات والعشوائية إلى الفضاء المُنظّم
لعقود طويلة، ظلت أديس أبابا تعاني من غياب رؤية تنموية شاملة؛ حيث كانت العشوائيات والمباني الطينية والمعدنية المتهالكة تتداخل مع المنشآت الحديثة، مما أوجد تباينًا بصريًا حاداً وضغطاً هائلاً على البنية التحتية. كما تحولت الشوارع إلى أزقة ضيقة يتداخل فيها المشاة والمركبات مع الباعة والجولات غير المنظمة، وسط ازدحام مروري وتدهور بيئي مستمر.
مرتكزات تجربة التجديد العمراني تمثل في (مشروع الممرات الحضرية)
لم يقتصر التحول على معالجة قشور المشكلة، بل اعتمد على عملية جراحية للتخطيط الحضري شملت الإنسان والتنمية معاً، مرتكزة على عدة آليات إجرائية وقانونية:
الغطاء القانوني للملكية: الاستناد إلى الدستور الذي ينص على ملكية الدولة للأرض، مما منح الإدارة غطاءً كاملاً لإعادة استملاك الأحياء القديمة والمناطق العشوائية وتوجيهها للمصلحة العامة.
شكل مشروع الممرات الحضرية مسح وتوسيع المحاور الحيوية داخل المدينة وتطويرها لتصبح طرقاً متعددة المسارات، تشتمل على مسارات مخصصة للمشاة والدراجات الهوائية، وشبكات إنارة حديثة، ومساحات خضراء ممتدة.
إعادة التوطين والإسكان البديل حيث نقل مئات آلاف الأسر من وسط المدينة العشوائي إلى مجمعات سكنية حديثة مدعومة في أطراف العاصمة وداخلها، بما يضمن وصول الخدمات الأساسية من مياه وصرف صحي وكهرباء وسكن كريم.
كيف تم ذلك؟
تم اعتماد الشراكة مع الاستثمار إعادة طرح الأراضي المُنظّمة في مزادات لكبار المستثمرين المحليين والأجانب، مع اشتراط بناء أبراج بمعايير معمارية حديثة ووفق جداول زمنية ملزمة.
التطوير البيئي والمروري: تشغيل القطار الخفيف، وتحويل ضفاف الأنهار إلى منتزهات مفتوحة ، وإنشاء محطات شحن للسيارات الكهربائية، ومواقف متعددة الطبقات للحد من الازدحام.
الحزم وسرعة الإنجاز شكل ذلك مؤتمر اساسي في إدارة المشاريع بنظام العمل المتواصل على مدار 24 ساعة لضمان إنهاء المراحل في أوقات قياسية، رغم التكلفة المالية والتضحيات الاجتماعية الواسعة.
يمكن القول ان هذه التجربة بحاجة للدراسة ومعرفة الكثير عنها وذلك الاستفادة منها حيث
تقدم تجربة أديس أبابا عدداً من الدروس العلمية والعملية للبلدان التي تعاني من النمو العشوائي واختناق العواصم (كما هي الحال في اليمن وغيرها من دول المنطقة).
الجرأة في التخطيط والقرار السيادي.
أثبتت التجربة أن معالجة الاختلالات العمرانية المزمنة لا تتم عبر الترقيع الموضعي، بل بالبدء من حيث انتهى التخطيط الحديث، وحشد إرادة سياسية حازمة تتجاوز الضغوط الاجتماعية والسياسية المؤقتة.
استغلال قيمة الأراضي الحضرية: إزالة العشوائيات في قلب المدينة وإعادة استثمار الأراضي ذات القيمة العالية عبر الشراكة مع القطاع الخاص يوفر التمويل اللازم لبناء البنية التحتية والمجمعات السكنية البديلة.
التنمية الشاملة التي تبدأ بالإنسان: إعادة توطين سكان العشوائيات في شقق حديثة تُنهي حالة الإقصاء الاجتماعي وتوفر بيئة صحية، مما يحول الفئات المهمشة إلى طاقات منتجة ضمن نسيج المدينة الجديد.
ربط العمران بالبيئة وجودة الحياة: تحويل المساحات الضائعة إلى متنزهات وحدائق عامة يرفع من جودة الحياة، ويعيد صياغة السلوك العام للمواطنين نحو حماية البيئة الحضرية.
إن ما حققته أديس أبابا يضعها بحق على أعتاب العواصم والمدن الحديثة، محققاً ثورة فكرية واجتماعية لدى السكان والإدارات المحلية. وعلى الرغم من أن طريق التنمية الشاملة ما يزال طويلاً ويحتاج إلى عقود من الاستكمال، إلا أن ما تحقق يظل نموذجاً حياً لما يمكن أن تصنعه الإرادة والتخطيط الصارم في مواجهة الخلل والعبث في التنميةالحضرية،
والاستفادة من هذه التجربة بالواقع التخطيطي لبعض المدن اليمنية وفي مقدمتها مدينة عدن المؤلة لذلك.