شارك الخبر
كتب المحرر السياسي لدلتابرس .
يعود الشارع الجنوبي في كل مرحلة مفصلية ليؤكد أنه الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كافة الرهانات والقراءات الخاطئة. وما مشاهد الاستجابة الواعية والالتزام الرمزي بالعصيان المدني الذي دعت إليه النقابات الجنوبية خلال شهر أغسطس الحالي، إلا دليل ساطع ومجدد على حيوية الموقف الشعبي ، وعلى حضور القضية الجنوبية في العمق العقدي والوجداني للمجتمع
إن هذا الحراك السلمي الراقي لا يمثل مجرد الاحتجاج على تردي الأوضاع المعيشية والخدمية فحسب، بل يحمل في جوهره رسالة سياسية بليغة التعبير: إن الشعب الجنوبي وأن حوصر فلن يمت، وأن التمسك بالتمثيل السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي ليس خياراً عابراً، بل هو استحقاق موضوعي أفرزته سنوات طويلة من المخاض النضالي التراكمي سلماً وحرباً. وأن محاولات تفكيكه أو استنساخ مكونات بديلة فاتها القطار ولن يكتب لها النجاح
أولاً: واقعية الرافعة السياسية
لقد تشكل المجلس الانتقالي الجنوبي في لحظة فارقة كممثل لمشروع وطني جامع، وعمود فقري للنضال الميداني والسياسي. ومن هنا، فإن أي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة أو الالتفاف على ثنائية “الأرض والجمهور” لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة. إن المشروعية الاستثنائية التي يحظى بها الانتقالي لا تستمد قوتها من البيانات الرسمية، بل من تفويض قواعده الشعبية الممتدة من المهرة وسقطرى شرقاً إلى باب المندب غرباً.
ثانياً: إعادة القراءة.. ضرورة استراتيجية للتحالف وللشرعية ذاتها
أمام هذه المعطيات المتشابكة، تبرز الحاجة الملحة اليوم إلى إعادة قراءة الواقع السياسي في الجنوب بمنظور جديد من قبل الشقيقة الكبرى؛ المملكة العربية السعودية، وقيادة التحالف العربي. ومعها دول الرباعية ومجلس الأمن أيضا
إن القراءة المنصفة والعميقة تجعل من الوضوح بمكان إدراك أن الجنوب ومجلسه الانتقالي هما الحليف الأصدق والأكثر ثباتاً وفاعلية للتحالف العربي وللمجتمع الدولي فالجنوب الممسك بزمام أرضه، الحريص على أمن واستقرار المنطقة، والمناهض المبدئي للمشاريع التوسعية والإرهابية، يشكل العمق الحقيقي والأمين للأمن القومي الخليجي والعربي، وفي مقدمته الأمن الوطني للمملكة.
ثالثاً: المعادلة المعيشية وتأمين الجبهة الداخلية
إن الحفاظ على هذا الحليف الموثوق يتطلب بالضرورة إسناد جبهته الداخلية؛ إذ لا يمكن فصل الصمود السياسي عن الاستقرار الاقتصادي والخدمي. فالرسالة التي أرسلتها النقابات الجنوبية في أغسطس وقبلها مليونيات الحراك السلمي الجنوبي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
مايعني حماية المواطن من طاحونة التدهور الاقتصادي هي الركيزة الأساسية لضمان تماسك المجتمع واستقرار المؤسسات، وتوفير البيئة الملائمة للتحالف والتكامل.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد إدارة للتهدئة أو مسكنات وقتية للأزمات المعيشية، بل صياغة رؤية استراتيجية جديدة تقوم على المكاشفة والتكامل بين القيادة الجنوبية ودول التحالف العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. والاستفادة من فكرة الحوار الجنوبي ـ الجنوبي في الرياض بما يؤسس للم شمل جنوبي أوسع وكتلة موازية متماسكة في المفاوضات القادمة مع صنعاء
انطلاقا من رؤية تستوعب حقيقة الواقع الجنوبي وقضيته المشروعة، وتثبت أركان شراكة حقيقية تخدم الأمن الإقليمي، وتصون التضحيات التي قُدمت على مدى سنوات الحرب والسلام.
إن الرهان على وعي الشارع الجنوبي وعلى صدق تحالفاته كان دائماً هو الرهان الصائب والرابح الذي ترتكز عليه قضية شعب الجنوب عبرت عن نفسها في كل المنعطفات سلما وحربا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لقد حان الوقت لتحويل هذا الرهان إلى استحقاق سياسي ناجز كون قضية شعب الجنوب تمثل حجر الزاوية لتداعيات الحرب والأزمة الطاحنة التي تعانيها البلاد شمالها وجنوبها