شارك الخبر
دلتابرس . خاص
2- شهادة بريطانية معاصرة عن السلطان الفضلي عام 1837م
في عام 1837م وصلت السفينة البريطانية «بالينوروس» (Palinurus) إلى شقرة، بقيادة الكابتن س. ب. هاينز. ويصف هاينز وصولها بأنه كان، فيما يبدو له، أول رسو لسفينة أوروبية في هذا الجزء من الساحل.(*)
كان وصول السفينة حدثا لافتا لأهالي شقرة؛ فقد تجمع الرجال والنساء والأطفال بأعداد كبيرة على الشاطئ لمشاهدة السفينة، التي بدت لهم كأنها «عملاق قادم من البحر».
في البداية كان الفضول ممزوجا بالخوف والحذر. لكن عندما أطلقت السفينة ثلاث طلقات مدفعية للتحية، تبدل المشهد، وردت القلعة بتحية مماثلة، وتحول الخوف إلى هتاف وإعجاب. وبعد ذلك بوقت قصير، خرجت قوارب من الشاطئ محملة بالأغنام والفواكه وغيرها من الهدايا التي أرسلها السلطان الفضلي إلى ضيوفه القادمين من البحر.
وحسب هاينز لم يكن السلطان قد رأى إنجليزيا من قبل. وعندما طلب هاينز مقابلته في اليوم التالي، استقبل بتحفظ شديد. ويصف هاينز لقائهما الأول قائلا إن السلطان كان جادا وبطيئا في تقديم تحيته، وظل يثبت نظره إلى الأرض، قبل أن يبدأ الحديث معه.
وأثناء الحديث فاجئه السلطان بسؤال يكشف جانبا مهما من شخصية السلطان واهتمامه بالشؤون العسكرية:
«هل يستطيع الإنجليز، الذين يعرفون كل شيء، أن يصنعوا مدفعا ميدانيا يمكن فكه من منتصفه، بحيث يمكن حمله إلى أي مسافة، عبر الجبال، بواسطة الجمال أو غيرها من الحيوانات؟»
يقول هاينز إنه فوجئ بأن هذه الفكرة كانت من بنات أفكار هذا البدوي، ورأى فيها دليلا على مستوى من الفهم لم يكن يتوقعه منه.
ومع استمرار الحديث، تغير انطباع هاينز عنه، وبدأ السلطان يتعامل معه بمزيد من الود. وأبدى رغبته في إقامة علاقات ودية مع البريطانيين، قائلا إنه يرى أنهم «أعظم أمة في العالم»، وإنه يرغب في استرضائهم وكسب صداقتهم.
كما نقل هاينز عن السلطان قوله، إن البريطانيين هم القوة الوحيدة القادرة على منع القوة المصرية من الاستيلاء على بلاده بأكملها.
وانتهى اللقاء بصورة تعكس مكانة الضيف وكرم المضيف. فقد أرسل السلطان بعد ساعات قليلة رئيس وزرائه, حسب وصف هاينز, ليقدم له حصانا عربيا جميلا، هو أفضل ما يملكه في مربطه. لكن هاينز اعتذر عن قبول الحصان، مبررا ذلك بأن السفينة ستبقى في البحر عدة أشهر،
* السلطان الفضلي وعائلته كما وصفهم هاينز
يصف هاينز السلطان بأنه حاكم قوي الشخصية، حازم ونشيط، وكان نحيل البنية و لم يكن جذابا من حيث المظهر وكان يتابع شؤون بلاده بنفسه، وكان يحظى بقدر كبير من الاحترام والخشية من جانب جيرانه.
وأضاف إن قبيلته تصفه بأنه شديد النشاط والحيوية، مغامر وحازم في الحرب، داهية وماهر في التجارة، مع احترام كبير للعدل والإحسان. وكان يصغي بهدوء إلى حجج الطرفين قبل إصدار حكمه، لكنه إذا أصدر حكما تمسك به ولم يقبل تخفيف العقوبة التي قررها.
أما أسرته، فيذكر هاينز أنه في عام 1837م كان للسلطان ثلاثة أبناء وثلاث بنات، جميعهم دون سن الثانية عشرة. وكانت زوجته، وهي أم أبنائه الستة، ابنة السلطان علي بن غالب سلطان يافع.
وكان السلطان الفضلي يعيش كذلك وسط دائرة واسعة من أقاربه؛ إذ يذكر هاينز وجود خمسة من إخوته وعدد كبير من أبناء إخوته وأبناء عمومته،ويلفت هاينز إلى أن هؤلاء الأقارب لم يكونوا مجرد أفراد من الأسرة، بل كانوا جزءا من التركيبة السياسية والاجتماعية المحيطة بالسلطان، وقد التقى بنفسه بعدد منهم.
ملاحظات:
* السفينة «بالينوروس» رست قبالة شقرة سنة 1834م وكانت بقيادة الكابتن وليستد, ووصف شقرة في كتابه Travels in Arabia الجزء الثاني طبع 1838م, ص 412, لكنه لم يلتقي بالسلطان لأنه كان في الصرية, وذكر وليستد إسم أحمد بن عبدالله الفضلي كإسم للسلطان, في حين أن هاينز ذكر الإسم عبدالله بن أحمد بن الفضلي, وفي عبارة أخرى عبدالله بن حمد Hamed, هاينز صحح الإسم في المراسلات لاحقا بعد نشر مقاله, سنة 1839م.
* هذه الزيارة لشقرة ولقاء السلطان كان مباشرة بعد حادثة السفينة دليا دولت التي كانت في يناير 1837م.
* في تلك الفترة كانت قوات محمد علي باشا متواجدة في المخا والحديدة ومناطق قريبة من لحج.
المصدر: S. B. Haines, Memoir, to Accompany a Chart of the South Coast of Arabia from the Entrance of the Red Sea to Misenát, Journal of the Royal Geographical Society of London, Vol. IX (1839), pp. 138–140، مع وصف اللقاء بالسلطان في pp. 90–93 من النسخة التي أعدها هاينز ونشرت ضمن Transactions of the Bombay Geographical Society
اللوحة المرفقة تسويقية دمجت من الخرائط التي كانت ضمن المقال.
من صفحة الاستاذ أحمد عبدالله فضل