شارك الخبر
رفضتم أن تكونوا «دواء أبو فاس» لتحرير صنعاء فلا تجعلوا الجنوب دواءً لفشلكم
يبدو أن هناك من قرر إقحام الجنوب مجددًا في معركة الخلاص من الحوثي، وفي الوقت نفسه إعادة النقاش السياسي إلى لغة المناكفات التي تجاوزناها منذ زمن.
لقد اخترنا أن نتحدث بلغة السياسة والعقل والوقائع، لكن الهدوء ليس ضعفًا، واحترام المواقع الرسمية لا يعني التسليم بالوصاية على قضية شعب.
واهمٌ من يعتقد أن منصبًا مؤقتًا أو مجلسًا رئاسيًا يستطيع أن يقرر نهاية قضية سبقت وجوده بعقود، ودُفعت في سبيلها أثمان باهظة من الدم والتضحيات.
دعوة المشاركة في الحوار التي تلقيناها جاءت من قيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة، الدولة المضيفة والراعية للحوار، وسنذهب إلى أي حوار جاد باعتبارنا أصحاب قضية وطنية، وخلفنا إرادة شعب وأرض وتضحيات، لا تابعين لأحد ولا باحثين عن إذن من أي طرف يمني.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه:
كيف يُطلب من الجنوبي أن يذهب لتحرير الشمال، بينما يرى أمامه إعادة تمكين مراكز نفوذ مرتبطة بمنظومة صنعاء داخل الجنوب، ومحاولات لتقرير مستقبل عدن من قوى عجزت عن حماية صنعاء؟
كيف يصبح الجنوبي مطلوبًا عندما تحتاج المعركة إلى مقاتل، ثم يصبح صوته السياسي مشكلة عندما يطالب بحقه في إدارة أرضه وتقرير مستقبله؟
وكيف يُطلب من أبناء الجنوب أن يسلكوا طريق صنعاء، بينما لا تزال عودة بعض قياداتهم إلى عدن وحرية حركتهم موضع نقاش؟
والعالم يعرف أن أبناء الجنوب هم من دافعوا عن عدن في 2015، وقاتلوا الحوثي والتنظيمات الإرهابية، وانتصروا على أرضهم بتضحيات جسيمة وبدعم التحالف العربي.
بعد حرب 1994 اعتقدت منظومة الحكم في صنعاء أن القوة العسكرية أنهت القضية الجنوبية، لكنها عادت إلى الشارع أقوى عبر الحراك الجنوبي السلمي، وأثبتت أن القضايا الوطنية لا تنتهي ببيان عسكري ولا بقرار من سلطة منتصرة.
وفي 2012 كان رئيس الدولة جنوبيًا، ومع ذلك لم تختفِ القضية الجنوبية؛ لأن الجنوب لم يكن يبحث عن جنوبي يجلس على كرسي في صنعاء، بل عن حق شعب في تقرير مستقبله السياسي واستعادة قراره وسيادته على أرضه.
وفي 2015 وصلت قوات الحوثي وحلفائه إلى عدن بعد أن اجتازت مساحات واسعة من الشمال، فوقف أبناء الجنوب في وجهها، وقاتلوها بإمكانات محدودة وعزيمة هائلة حتى تحررت مدنهم.
واليوم، وبعد أكثر من أحد عشر عامًا، ما تزال صنعاء تحت سلطة الحوثي، ثم يُطلب من الجنوب أن يذهب لتحريرها بينما تستمر معركته السياسية حول حقه في أرضه وقراره.
وهنا نسأل بلا مواربة:
من الأولى بأن يستعيد صنعاء: من خسرها أم من حرر عدن؟
ومن أخفق في حماية عاصمته ومؤسساته، بأي منطق يمنح نفسه حق تحديد مستقبل الجنوب أو فرض شكل الحل عليه؟
أما القول إن القضية لم تُحل لأن «الجنوبيين مختلفون»، فليس إلا تبسيطًا لمشكلة سياسية عميقة.
الاختلاف موجود في كل المجتمعات، والحوار وُجد أصلًا لإدارة الاختلاف، لا لانتظار إجماع مستحيل.
ولو كان الاتفاق الكامل شرطًا لأي تسوية، لما احتاج العالم إلى طاولة تفاوض واحدة.
والجنوب، من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، قد تختلف داخله الاجتهادات والأدوات، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا أحد يقبل أن يُفرض عليه مستقبله من خارج إرادته.
ولا يجوز لمنظومة كانت جزءًا من تاريخ الأزمة والصراع مع الجنوب أن تقدم نفسها اليوم حكمًا محايدًا على القضية، ثم تعيد إنتاج الحل عبر مكونات وواجهات حزبية في المحافظات الجنوبية وتطلب من الناس اعتبار ذلك «حلًا جنوبيًا».
فلا تعيدوا الطبخة ذاتها بأسماء جديدة.
لقد جرّب شعبنا طويلًا الحلول المفروضة من فوق، والمكونات المصنوعة خارج إرادة الشارع، والنتائج المكتوبة قبل بدء الحوارات.
إن كان الحوار جنوبيًا، فاتركوا للجنوبيين أن يختلفوا ويتوافقوا ويحددوا رؤيتهم بأنفسهم، تحت رعاية إقليمية ودولية عادلة ومحايدة.
وإن كانت بعض الأطراف قد أعدّت النتائج مسبقًا وتسعى فقط إلى تمريرها تحت مسمى «الحوار»، فذلك لن يصنع حلًا مستدامًا.
يا دكتور رشاد العليمي،
من حقكم أن تكون لكم رؤيتكم بشأن الوحدة ومستقبلكم في صنعاء ، كما أن من حق الجنوبيين أن تكون لهم رؤيتهم لمستقبل أرضهم.
لكن هناك فرقًا بين أن يكون لكم رأي في قضية الجنوب وبين الاعتقاد بأن مؤسسة الرئاسة تستطيع أن تحدد مستقبلها نيابة عن شعبها.
فرئاسة مجلس القيادة تمنح صلاحيات لإدارة مرحلة مؤقته ومؤسسات الدولة بالتوافق، لكنها لا تمنح أي طرف ملكية قضية شعب أو حق الوصاية على خياراته.
المجالس الرئاسية تأتي وتذهب، أما قضايا الشعوب التي صنعتها الحروب والتضحيات وإرادة الناس فلا تُغلق بقرار إداري ولا بخطاب سياسي.
ولهذا نقولها بوضوح:
لا تطلبوا من الجنوب أن يحرر صنعاء، بينما يشعر في الوقت نفسه أن نفوذ صنعاء القديم يعاد إنتاجه في عدن.
إن أردتم الجنوب شريكًا في مواجهة الحوثي، فاعترفوا بحقه في أن يكون شريكًا كاملًا في القرار السياسي، وفي إدارة أرضه ومؤسساته ضمن رقعته الجغرافية المعروفة قبل 22 مايو 1990.
وإن أردتم رجاله في الجبهات، فاحترموا أولًا حقهم في إدارة أرضهم وإختيار من يُمثلهم ، وعالجوا وجود القوات الدخيلة وغير الجنوبية في محافظاتهم ضمن ترتيبات سياسية وعسكرية عادلة وواضحة.
وإن أردتم حوارًا حقيقيًا، فلا تحددوا نتائجه قبل أن يبدأ، ولا تنصّبوا أي طرف يمني وصيًا على ما يقرره الجنوبيون لأنفسهم.
فالجنوب ليس مخزنًا للمقاتلين وقت الحرب، ولا خزانًا للثروة وقت الحاجة، ولا ساحةً لإعادة بناء النفوذ الذي فشل في صنعاء.
الجنوب قضية شعب، وأرض، وهوية، وتاريخ، ومستقبل.
ومن يريد أن يكون جزءًا من حل هذه القضية، فعليه أولًا أن يعترف بأن قرار الجنوب لا يملكه كرسي رئاسي ولا حزب منبعه شمالي ولا مجلس مؤقت؛ بل يملكه شعبه وفق ارادة حُرة
احترموا إرادة الجنوب تجدوه شريكًا.
حاولوا الوصاية عليه مجددآ
فلن تنتجوا إلا أزمة مابعد نكسة 94م
من صفحة الاستاذ نزار هيثم