شارك الخبر
تُعد القاضية والمحامية العدنية حميدة زكريا محمد إحدى أبرز الشخصيات النسائية التي صنعت حضوراً استثنائياً في تاريخ عدن القانوني، فقد كانت من أوائل النساء اللواتي اقتحمن مجال الحقوق والقضاء، وسجلت سبقاً تاريخياً باعتبارها أول امرأة تشغل منصب قاضية محكمة في الجزيرة العربية، بعد تعيينها في عدن عام 1971م.
وُلدت حميدة زكريا في مدينة كريتر، حافة حسين، ونشأت في أسرة عدنية عريقة عُرفت بنشاطها التجاري، وكان من أبرز معالمها مقهى زكو الشهير الذي توسط منطقة الميدان، وظل لسنوات طويلة أحد الأماكن الاجتماعية البارزة في قلب المدينة.
تلقت تعليمها العام في مصر، وكانت من أوائل الجامعيات، ثم واصلت مسيرتها العلمية حتى تخرجت من كلية الحقوق بجامعة القاهرة في مطلع سبعينيات القرن الماضي حاملة شهادة ليسانس الحقوق، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من العطاء في المجال القانوني، حيث أثبتت كفاءة عالية في العمل القضائي، خصوصاً في معالجة القضايا الأسرية وفض النزاعات بروح قانونية وإنسانية.
لم يكن دور حميدة زكريا مقتصراً على منصة القضاء، بل امتد إلى خدمة المجتمع والتوعية القانونية، فقد اهتمت بقضايا المرأة والأسرة، وأسهمت في إعداد وصياغة قانون الأسرة الذي ركز على بناء حياة أسرية قائمة على الاحترام المتبادل والحقوق المتوازنة، كما قدمت برنامجاً تلفزيونياً عبر تلفزيون عدن للتوعية بالقضايا الأسرية والاجتماعية.
مثّلت القاضية حميدة زكريا نموذجاً للمرأة العدنية المثقفة والطموحة، وكانت من الرائدات اللواتي مهدن الطريق أمام أجيال متعاقبة من المحاميات والقاضيات، حيث زاملت نخبة من الأسماء القانونية النسائية مثل راقية حميدان، ليلى شهاب، أنيسة عباس، نظيرة شرجبي، وسامية مهدي وغيرهن.
وقد شهدت عدن خلال عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات نهضة مدنية وتعليمية انعكست على مختلف مجالات الحياة، وكان حضور المرأة في التعليم والعمل القانوني أحد مظاهر تلك الريادة، حتى أصبحت المدينة حاضنة لتجربة نسائية قانونية متقدمة امتدت لثلاثة عقود، تخرجت خلالها أجيال من القاضيات والمحاميات.
كانت حميدة زكريا أماً لثلاثة أبناء، ولد وابنتين، وظلت مثالاً للمرأة التي جمعت بين العلم والمسؤولية المهنية وخدمة المجتمع، تاركةً إرثاً مشرفاً سيبقى حاضراً في ذاكرة عدن بوصفها إحدى رائدات القانون والعدالة.
رحم الله القاضية حميدة زكريا، التي حملت راية الريادة وفتحت بأدائها المهني أبواب القضاء أمام المرأة في عدن والجزيرة العربية.