شارك الخبر
في مسيرة العمل الأمني والعسكري، لا تُقاس موهبة القائد بعدد المواقع التي شغلها، بقدر ما تُقاس بما يتركه في كل موقع من أثر، وبقدرته على تحويل المسؤولية إلى مؤسسة، والخطر إلى فرصة، والجنود إلى قوة منضبطة تؤمن بمهمتها. ومن هذه الزاوية يبرز اسم العميد جلال الربيعي بوصفه واحدًا من القيادات التي راكمت تجربة ميدانية وأمنية لافتة في أكثر من محطة.
بدأت تجربته في بني حزام يافع، حيث قدم نموذجًا في العمل الأمني والانضباط والقدرة على التعامل مع الواقع الميداني. ثم انتقل إلى بني حزام لحج، ليؤكد مرة أخرى قدرته على إدارة الوحدات الأمنية وبناء حضورها وثقة المواطنين بها، قبل أن يتولى قيادة الحزام الأمني في عدن، وهي المهمة الأكثر تعقيدًا وحساسية، نظرًا لما تمثله العاصمة عدن من أهمية سياسية وأمنية.
وفي عدن لم تكن المهمة مجرد استلام قوة قائمة، بل كانت أمامه مسؤولية بناء معسكر النصر من الصفر، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى قوة أمنية منظمة وقادرة على أداء واجباتها. وقد ارتبطت هذه المرحلة بمواجهة تحديات أمنية متشابكة، في مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات وخلايا الحوثيين، وهي تهديدات تتطلب قائدًا يجمع بين الحزم والانضباط والقدرة على قراءة المشهد الأمني.
ومن أبرز المحطات التي تكشف طبيعة شخصية الربيعي القيادية، تلك المرحلة التي شهدت انسحاب عدد من القوات من عدن في أعقاب التطورات العسكرية والقصف الذي طال حضرموت والضالع. ففي وقت كانت فيه المدينة تواجه ظروفًا شديدة الحساسية، بقي الربيعي وقوات الحزام الأمني في مواقعهم، ولم تكن تلك لحظة عادية في الحسابات العسكرية والأمنية؛ إذ إن انسحاب النقاط الأمنية في مثل تلك الظروف كان يمكن أن يفتح الباب أمام الفوضى والانفلات.
وهنا تظهر قيمة القائد الذي يعرف متى يكون الثبات جزءًا من المسؤولية. فقد كان بقاء النقاط الأمنية عاملًا مهمًا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل عدن، في مرحلة كانت فيها المدينة بحاجة إلى حضور أمني متماسك أكثر من أي وقت مضى.
ولعل ما يميز جلال الربيعي، إلى جانب خبرته الميدانية، هو الهدوء والحكمة والشجاعة. فهو ليس من نمط القادة الذين يرفعون أصواتهم لإثبات حضورهم؛ بل يميل إلى الهدوء، وقراءة الموقف، واتخاذ القرار في الوقت المناسب. وهذه الصفات تمنح القائد قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات، خصوصًا في البيئات الأمنية المضطربة.
كما أن علاقته بجنوده وضباطه تقوم على التقدير والاحترام، وهي مسألة لا تقل أهمية عن الأوامر والانضباط العسكري. فالجندي الذي يشعر بأن قائده يقدّر جهده ويقف إلى جانبه يكون أكثر استعدادًا لتحمل المشاق وأداء واجبه في الظروف الصعبة.
ولا تقتصر علاقاته على العسكريين والأمنيين، إذ يُعرف عنه كذلك حسن التعامل مع المواطنين والمشائخ والشخصيات الاجتماعية. يتعامل مع من يقصده بسعة صدر، ويستقبل الناس بابتسامة هادئة تكسر الحواجز بين المسؤول والمواطن، وتمنح حضوره طابعًا إنسانيًا إلى جانب صفته القيادية.
إن تجربة جلال الربيعي في بني حزام يافع، ثم بني حزام لحج، وصولًا إلى قيادة الحزام الأمني في عدن وبناء معسكر النصر، تقدم نموذجًا لمسار قيادي لم يتشكل في المكاتب، وإنما في الميدان، وبين الجنود، وفي مواجهة المخاطر اليومية.
وقد تكون أهم موهبة يمتلكها القائد هي قدرته على الجمع بين صفات تبدو متناقضة: الحزم دون قسوة، والشجاعة دون تهور، والهدوء دون تردد، والقوة دون غرور. وفي هذه المعادلة تحديدًا يمكن قراءة جانب مهم من شخصية جلال الربيعي القيادية، كما عرفها جنوده وزملاؤه والمواطنون الذين تعاملوا معه خلال سنوات عمله الأمني.
وفي النهاية، تبقى قيمة القائد الحقيقية فيما يبنيه ويتركه خلفه؛ مؤسسات أكثر قوة، وجنود أكثر ثقة، ومجتمع أكثر أمنًا. ومن هذا المنظور، فإن تجربة جلال الربيعي تستحق أن تُقرأ بوصفها تجربة قائد ميداني أسهم في بناء وحدات أمنية، وخاض معارك صعبة ضد الإرهاب والمخدرات والخلايا المعادية، وحافظ على حضوره حين كانت الحاجة إلى الثبات أكبر من أي وقت آخر.
أحمد يسلم