شارك الخبر
خطف الموت في يومنا هذا شخصيتين من وجاهات يافع وصناديدها، الراحلين الشيخ صالح منصور صالح الجلادي والعميد ركن بالليل الخضر السعيدي فالأول أحد أبرز رجال حمة وكلد، وقائد القوات الشعبية في السبعينيات من القرن الماضي في حمة وشرية، وأحد الرموز الذين أسهموا في إرساء دعائم الدولة الجنوبية الفتية منذ ليلة الاستقلال الوطني.
وعُرف الشيخ صالح منصور، إلى جانب شقيقه الراحل أحمد، رحمهما الله، بالرزانة والثقة بالنفس والشهامة والكرم، وهي خصال جعلتهما موضع احترام وتقدير في محيطهما الاجتماعي والقبلي.
ويُعد صالح منصور الوجاهة الأولى في حمة وسلب حمة، بعد الشيخ النبيل والشاعر المرموق صالح حسن الجلادي، رحمه الله، الذي طارت شهرته في معظم أرجاء البلاد، بما امتلكه من شاعرية وحكمة ودهاء وذكاء فطري لا حدود له. وما تزال أشعاره وحِكمه وأحكامه تتردد أصداؤها عبر الأجيال المتعاقبة.
أما الشيخ صالح منصور، فقد عاش حياته عصاميًا شريفًا، يكد في أرضه وزراعتها، ويسقيها بعرق جبينه قبل مياه السيل والبئر، وظل طوال حياته رمزًا من رموز حمة، ووجاهة اجتماعية مرموقة، ومرجعًا يحظى بالاحترام والتقدير.
وكان آخر لقاء جمعني بشخصه النبيل في حفل افتتاح عقبة الفلاح، ذلك المشروع الذي أُنجز بجهود جبارة، وأسهم في تقليص معاناة أهلنا في حمة جراء متاعب طريق أمرصد الموحشة.
وعلى ذكر الطرق، لا يمكن الحديث عن معاناة أهلنا في يافع من دون استحضار حاجتهم المزمنة إلى مشاريع الطرق، بعد قرون من العزلة والمعاناة التي فرضتها التضاريس الجبلية الوعرة.
ومن هنا لاحت في الأفق بشائر العمل في مشروعنا الاستراتيجي الكبير طريق باتيس – رصد – معربان، حين جرى اعتماده والبدء بتنفيذه بتمويل من دولة قطر الشقيقة.
وفي خضم ذلك المشروع العملاق، برزت الحاجة إلى إخلاص ونبل العميد بالليل الخضر السعيدي، الذي تولى قيادة وتأمين فريق تفجير الصخور الصلبة في مسار المشروع، فأبلى بلاءً حسنًا، وتعامل مع مهمته من موقع المسؤولية بكل حرص وإخلاص قلّ نظيره.
كانت المهمة شديدة الخطورة، خصوصًا في ظل الأوضاع المعقدة والأحداث المؤلمة التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، وفي أوج العمل في الطريق. ولذلك تطلبت المهمة المزيد من القلق والتعب والسهر، والتعامل الدقيق مع مختلف الظروف الأمنية والميدانية، فضلًا عن تأمين الفريق ومستلزمات العمل وإيصالها إلى مواقع المشروع.
وأتذكر جيدًا كم كانت معاناتنا بالغة الخطورة في تأمين وإيصال مواد الشق من معامل الحوبان في تعز إلى 7 أكتوبر في الحصن، ومنها إلى مواقع العمل على امتداد مسار الطريق، من ثنهة وصولًا إلى سرار.
وفي تلك الظروف شديدة التعقيد والخطورة، كان العميد بالليل السعيدي عرّاب هذه المهمة، وقائدا أمينًا لفريق العمل، مؤديًا واجبه بمسؤولية وإخلاص، في واحدة من أكثر مراحل تنفيذ الطريق صعوبة ومخاطرة.
إن رحيل صالح منصور الجلادي وبالليل الخضر لا يمثل فقدانهما صمصومان من صماصيم الرجال فحسب، بل لهو رحيل صفحة من صفحات يافع، وذاكرة حية لزمنٍ كان للرجال فيه حضورهم، وللوجاهة معناها، وللشهامة والكرم والنبل مكانتها.
رحم الله الشيخ صالح منصور صالح الجلادي، ورحم شقيقه أحمد، والشيخ صالح حسن الجلادي والعميد بالليل الخضر الذي حفلت مسيرة حياته الثرية في الذود عن حياض الوطن البار في جبهات المقاومة والواجب العسكري في الجبهات والخنادق وإعادة بناء القوات المسلحة الجنوبية كان آخرها في جبهة الحد يافع حتى أخر بضعة أيام من حياته قبل أن يغادرها مضطرا إلى القاهرة للعلاج وكانت إرادة الله أسبق هنيئا لكل رجال حمة وكلد ويافع وكل محافظات الجنوب الذين رحلوا وتركوا خلفهم سيرةً طيبة وذكريات لا تموت.
رحمهم الله جميعًا، وأحسن عزاء أهلهم ومحبيهم، وجعل ما قدموه لأهلهم ووطنهم في ميزان حسناتهم وإنا لله وإنا اليه راجعون
أحمد يسلم