شارك الخبر
حسن الكنزلي
في صحرائنا القاحلة، حيث تتشظى الأرض عطشا وتتسول السماء قطرة مطر، كانت لحظة مضيئة حين دخلت ألواح الطاقة الشمسية إلى حقولنا. كانت كأنها وعد من السماء؛ طاقة مجانية لا تنضب، تضخ الماء من باطن الأرض دون أن تئن أو تطلب ثمنا. وفي القرى الفقيرة، حيث الجوع يطرق الأبواب، جاءت مناشير احتطاب شجرة “المسكيت” كهدية لوجه الفقر؛ حطب يُباع، ودخل ينتظر، وشجرة غازية مقيتة نأمل أن نقضي عليها بضربة مناشيرنا.
لكن الطبيعة، بتوازنها العجيب، لا تخضع للنوايا الحسنة؛ فهي ليست كالتاجر الذي يرضيه حسن الظن؛ بل هي كالقاضي الذي لا ينظر إلى قلوب المتهمين؛ بل إلى أفعالهم وما تتركه من آثار.
لقد تحولت الشمس – تلك المنقذة المرجوة – إلى أداةٍ للجشع. المزارع الذي لم يكن يجرؤ على تشغيل مضخة الديزل سوى ساعات معدودة، وجد نفسه مع الألواح الشمسية قادرا على ضخ المياه من الفجر حتى المغيب. فاغتر بقوة التقنية، ونسي أن باطن الأرض ليس بحرا لا ينضب؛ بل هو خزان محدود كحسابنا في البنك. غمر حقوله بالماء غمرا، ظنا منه أن كثرة الماء تزيد الخير؛ لكن التربة المسكينة تشبّعت وتعفّنت، وارتفعت نسبة الملوحة كالسمّ الزاحف في عروقها، وفقدت خصوبتها وعناصرها الغذائية. ثم جاءت النتيجة المحتومة: نقص المنتوج بعد زيادة الكلفة، واستنزاف المخزون الجوفي الذي تتغذى منه المدن؛ فأصبحت آبارنا تنضب، وصنابير المدن تختنق؛ بينما حقول المزارعين تبتلع حصة الأجيال القادمة من الماء.
أما المنشار الذي أُعطي للفقير ليقطع المسكيت؛ فكانت قصته أشبه بكوميديا سوداء تنتهي بكارثة بيئية. شجرة المسكيت متوحشة وقاسية؛ خشبها صلب كالحديد وجذورها تغوص في عمق الأرض بشراسة. الحطّاب الفقير، الذي يبحث عن لقمة عيشه، سرعان ما اكتشف أن قطع المسكيت أشبه بقتال تنين، وأن حطب السمر والطلح والعلب أسهل وأجود وأنقى. فترك المسكيت يتضاعف وينتشر كالنار في الهشيم، وأقبل على أشجارنا المعمرة التي روتها أجدادنا بأيديهم وباركوها بدعواتهم، فأوشكت تلك الكنوز الخضراء على الانقراض. يا لها من مفارقة مريرة! كنا نريد أن نحد من غزو شجرة، فإذا بنا نبادل غزوا بغزو، ونستبدل شجرة دخيلة بشجرة أصيلة نادرة، وكأننا نحارب السرطان بقتل الخلايا السليمة.
والله! إن الظن بهالمنظمات ليرجح الخير. فما أظن أن عقلا يُخطط لإبادة غابة، أو أن يدا تمتد لإشعال جفاف مخيف؛ لكن الخطأ كان أكبر من ذلك؛ لقد كان خطأً في المنهج لا في النية. لقد تعاملوا مع الفلاح كما لو كان ملاكا معصوما، ومع الشجرة كما لو كانت عدوا ضعيفا، ومع الماء كما لو كان نهرا جاريا لا يُفنى. لقد أغفلوا تلك الحقيقة الذهبية: أن الإنسان، متى أُعطي سلاحا دون تدريب؛ فإنه يُصيب نفسه قبل عدوه، وأن الموارد الطبيعية إذا تُركت بلا ميزان أو رقيب؛ فإنها تنهار كالبيت الورقي تحت المطر.
العلم الذي كان ينقصهم لم يكن علما معقدا؛ بل هو فطرة التوازن التي علمنا إياها ديننا الحنيف قبل أربعة عشر قرنا. ألم يقل الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾؟ لقد طغينا في ميزان الماء حين غمرنا التربة بغير حاجة، وطغينا في ميزان الشجر حين قطعنا الجذور التي هي عماد الحياة. وجاء النهي الإلهي صريحاً: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. والاستخلاف في الأرض ليس مجرد تشريف؛ بل هو تكليف بأمانة ثقيلة؛ من يفسد في الأرض بعد إصلاحها؛ فقد خان الأمانة واستحق العطب.
المشكلة ليست في الطاقة الشمسية، ولا في مناشير الاحتطاب؛ بل في غياب الرقابة الأخلاقية والقانونية والعلمية. علينا أن نربط دعمنا للتقنيات الحديثة بشروط صارمة؛ فلا مضخة شمسية دون نظام ري حديث بالتنقيط، ولا منشار دون حارس يمنع العبث بالأشجار المحلية. علينا أن نُركب عدادات إلكترونية على الآبار، تخفض راية الإنذار حين يقترب السحب من حدود الجفاف، وأن نزرع بدل أن نقطع، وأن نعلم الفلاح قبل أن نمد يده بالألواح الشمسية، وأن نُشرك المجتمع في حماية غابه، لا أن ندمرها بأيديهم.
ليست الطبيعة غبيا يحتمل جهلنا، وليست نوايانا الطيبة ذخرا ندفعه ثمنا لاستمرار الحياة. الحياة تحتاج إلى علم يسبق العمل، وإلى خُلق يضبط الطمع، وإلى وعي بأن ما نأخذه اليوم من ماء وتراب؛ إنما هو قرض مؤجل من أبنائنا وغدنا.
لقد جربنا النوايا الحسنة وحدها، وخسرنا؛ فلنضف إليها اليوم العقل الذي يزن، والضمير الذي يردع، والبصيرة التي ترى ما وراء لحظة القطع والغمر. وإلا؛ فلتكن لنا العبرة بهذه الشمس التي لم تُنقذ آبارنا، وهذا المنشار الذي قتل اشجارنا؛ فلعلنا نفيق قبل أن يصبح حديثنا عن الغطاء النباتي والمياه الجوفية، كحديثنا عن “كان يا مكان”.