شارك الخبر
🎯💥
تُلقب المدفعية تاريخياً بـ «ملكة المعارك»، وفي الحروب الحديثة لم يعد التفوق مجرد إمطار العدو بالقذائف، بل صراعاً معقداً بين سرعة الرصد، دقة التوجيه، والقدرة على المناورة والإفلات قبل الرد المضاد (Shoot-and-scoot).
بينما تعتمد العقيدة العسكرية الغربية على الشبكات الرقمية والذخائر الجراحية، ترتكز العقيدة الروسية على الكثافة النارية الهائلة والمدى الخارق. إليكم مقارنة شاملة وعميقة بين أبرز منظومتين للمدفعية ذاتية الحركة من العيار الثقيل: M109A7 Paladin الأمريكية و 2S35 Koalitsiya-SV الروسية.
1️⃣ الخلفية التاريخية والتصنيع 🏭
* المدفع الأمريكي (M109A7 Paladin):
* الصانع: شركة BAE Systems.
* التاريخ: عائلة M109 دخلت الخدمة في ستينيات القرن الماضي وخاضت حروباً حقيقية حول العالم. النسخة A7 هي أحدث ترقية جذرية للمنظومة، حيث جرى استبدال الشاسيه القديم بهيكل مشترك مع مدرعة “برادلي” الشهيرة لتسهيل الدعم اللوجستي، مع تحديث منظومة الطاقة بالكامل لتتحمل التقنيات الإلكترونية الحديثة.
* المدفع الروسي (2S35 Koalitsiya-SV):
* الصانع: معهد “بوريفيستنيك” التابع لشركة “أورالفاجونزافود”.
* التاريخ: ظهر لأول مرة في عرض عيد النصر عام 2015 كجيل جديد تماماً يهدف إلى إحلال وتجاوز مدفع Msta-S القديم. صُمم المدفع من الصفر ليمثل قفزة تقنية تتجاوز القيود الكلاسيكية في المدفعية السوفيتية التقليدية.
2️⃣ التحليل الفني والمواصفات التكتيكية ⚙️
عند تفكيك المواصفات الهندسية لكلتا المنظومتين، تبرز فروق جوهرية تعكس فلسفة كل مدرسة:
* العيار والسبطانة:
يعتمد “البالادين” الأمريكي عيار الناتو القياسي 155 ملم مع سبطانة بطول 39 عياراً (L39)، في حين صُممت “كواليتسيا” الروسية بالعيار الشرقي المعتمد 152 ملم لكن بسبطانة ضخمة وفائقة الطول تصل إلى 52 عياراً (L52)، وهو ما يمنح المقذوف الروسي سرعة فوهية وضغطاً أعلى بكثير داخل السبطانة.
* المدى العملياتي وقوة النيران:
يصل مدى المدفع الأمريكي إلى نحو 22 كم بالذخائر التقليدية، ويتجاوز 30 إلى 40 كم عند استخدام المقذوفات الصاروخية الدقيقة مثل Excalibur. في المقابل، يحقق المدفع الروسي مدى تقليدياً يصل إلى 40 كم، ويقفز إلى حاجز 70 كم عند إطلاق الذخائر الموجهة ذات المدى الممتد، ما يمنحه أفضلية لافتة في حرب الرد المضاد للبطاريات (Counter-battery).
* معدل الرماية ونظام التلقيم:
يسجل “البالادين” معدل إطلاق يتراوح بين 1 إلى 4 طلقات في الدقيقة، حيث لا يزال يعتمد على التلقيم اليدوي بمساعدة هيدروليكية ميكانيكية جزئية. على النقيض من ذلك، أحدثت “كواليتسيا” ثورة في هذا الجانب بفضل نظام تلقيم آلي بالكامل ونظام تبريد فريد، لتقفز بكثافة النيران إلى ما بين 12 إلى 16 طلقة في الدقيقة.
* بيئة التشغيل والطاقم:
يُدار المدفع الأمريكي بطاقم مكوّن من 4 أفراد يتوزعون داخل البرج والهيكل القتالي. بينما يعتمد المدفع الروسي على برج مؤتمت بالكامل وغير مأهول، مما خفّض الطاقم إلى 3 أفراد فقط يتمركزون داخل كبسولة مدرعة ومعزولة في مقدمة الهيكل لضمان أعلى مستويات الحماية.
* نمط وتكتيك الاشتباك:
يتميز النظام الأمريكي بقدرات ربط شبكي وتوجيه دقيق عالي الاعتمادية؛ بينما ينفرد النظام الروسي بدعم نمط “الهجوم المتزامن بالقذائف المتعددة” (MRSI)، والذي يتيح للمدفع إطلاق عدة قذائف بزوايا ومسارات مختلفة لتصل جميعها وتصيب الهدف ذاته في اللحظة نفسها بالضبط.
3️⃣ المميزات والعيوب ⚖️
أولاً: M109A7 Paladin (الولايات المتحدة)
* المميزات:
* دقة متناهية: تكامل متقدم مع قذائف “إكسكاليبر” الموجهة بالـ GPS التي تصيب الأهداف المحددة بدقة جراحية.
* مرونة لوجستية: التوافق المشترك في المحركات ونظم الحركة مع مدرعات “برادلي” يقلل كلفة الصيانة ويسهل تدريب الأطقم وتوفير قطع الغيار.
* نضج ميداني وشبكي: منظومة إدارة نيران رقمية فائقة السرعة في الاندماج مع الطائرات المسيرة وشبكات المعركة المشتركة.
* العيوب:
* قصر السبطانة (L39): يحد المدى الأقصى للمقذوفات مقارنة بنظرائه في الساحة الدولية.
* معدل رمي منخفض: الاعتماد على التدخل البشري في التلقيم يرفع إجهاد الطاقم ويقلل وتيرة الاستجابة النارية السريعة.
ثانياً: 2S35 Koalitsiya-SV (روسيا)
* المميزات:
* تفوق ساحق في المدى: القدرة على ضرب مدفعية الخصم وتدميرها من مسافات آمنة خارج نطاق ردها المباشر.
* أمان استثنائي للأفراد: عزل الطاقم في كبسولة شديدة التدريع يقلل احتمالات الخسائر البشرية في حال استهداف البرج أو انفجار الذخيرة.
* كثافة نارية مرعبة: معدل إطلاق مذهل يضاهي بطارية مدفعية تقليدية كاملة بمدفع واحد فقط.
* العيوب:
* تعقيد إلكتروني وميكانيكي: الأتمتة الكاملة والملقمات الآلية المعقدة تتطلب بيئة صيانة فائقة الدقة في ظروف الميدان الصعبة.
* تكلفة التصنيع المرتفعة: أدت إلى بطء وتيرة الإنتاج والتسليم الميداني بأعداد ضخمة مقارنة بالأنظمة المجرّبة الأبسط كلفة.
4️⃣ الانتشار والفلسفة الميدانية 🌍
* المدفع الأمريكي: ينتشر كعماد رئيسي للفرق المدرعة الأمريكية ولدى جيوش حلف الناتو؛ وتستند استراتيجيته إلى حقيقة أن السيادة الجوية الغربية هي المظلة الأساسية لتدمير العمق المعادي، مما يجعل حاجة المدفعية للمدى الفائق ثانوية مقارنة بالدقة الجراحية والتنقل السريع.
* المدفع الروسي: دخل مرحلة الإنتاج والتجهيز المتدرج لوحدات الجيش الروسي؛ انطلاقاً من العقيدة العسكرية الشرقية التي تعتبر المدفعية الثقيلة حجر الزاوية والقوة الضاربة التي تشق طريق القوات البرية وتخوض المبارزات النارية الطويلة دون الاعتماد الكلي على الغطاء الجوي.