شارك الخبر
ماذا جرى في الساحل الغربي؟ هكذا تكون الهزيمة، وكأنها قدر محتوم، أو أنها كانت صفقة إقليمية دولية ليصبح باب المندب وجزيرة ميون وميناء ومدينة المخا في قبضة إيران.
كيف يُسمح لها أن تتمكن من ذلك؟ فخسارة هذه البقعة من الأرض لا تُقدَّر بثمن، فهي من أهم وأثمن البقع في العالم، وعندها تزداد أوزان الدول من الناحية الجيوسياسية، فهي المتحكمة بمفتاح البحر الأحمر، وبيدها أن تغلقه وتفتحه وقتما تريد وكيفما تريد.
كيف يُسمح بخسارة هذه البقعة من الأرض وانتقالها جيوسياسيًا لصالح قوى إقليمية أخرى، أثبتت الأحداث الأخيرة أنها تكن العداء للدول العربية؟ أين ذهبت العقول العربية الاستراتيجية التي مهمتها محاكاة المستقبل، وهي توجه بوصلة السياسة خدمةً للمصالح العليا للأمة؟ كيف تسمح بتسليم أوراقها الحيوية التي تخص الأمن القومي للأمة إلى الأعداء بهذه البساطة؟
سيفيق العرب ليجدوا أنفسهم في كارثة أشد وطأة من كارثة هزيمة يونيو 1967.
ولمن كان في المواجهة الميدانية: أين ذهبت القوات المدربة والمدججة بالسلاح التابعة لحراس الجمهورية؟ ولماذا تتساقط كأوراق الخريف؟ وأين ألوية الجيش الوطني؟ ولماذا تترك مواقعها من أول طلقة؟
وإذا كنتم تعلمون أن تلك الحرب مسرحية، فلماذا تدفع القوات الجنوبية إلى وسط المعركة لإسناد القوات في الميدان، لتتفاجأ بأن هذه القوات تترك مواقعها الواحد تلو الآخر دون أي قتال؟
فالمعركة، يا سادة، بالأصل قرار، وخوضها لتحقيق النصر يتطلب إرادة قوية. يبدو أن ذلك غير متوفر لدى القوات في الميدان، لأسباب عديدة.
فالاستهتار في إدارة المشهد العسكري بدأ منذ أول معركة لقوات الشرعية في الجوف، واستسلامها وتسليمها للعتاد العسكري قبل بدء المعركة وقبل أول طلقة. وتوالت تلك الهزائم واحدة تلو الأخرى، دون أن يقدم أحد للمحاسبة، وكانت النتيجة أن وصلت الأوضاع إلى ما وصلنا إليه، بفقدان أهم موقع على وجه الأرض، الذي تستميت الجيوش للدفاع عنه.
وبخسارته، افتقدنا جزءًا مهمًا من مكانة البلد الجيوسياسية، وهذا يشكل خطورة مباشرة على أمن الجزيرة والخليج ومصر، وغير مباشرة على العالم، خاصةً أن اليوم يدور صراع على أحقية امتلاك مضيق هرمز، ويأتي اليوم ليضاف مضيق باب المندب إلى إيران، لتستكمل قفل بوابات الجزيرة العربية المائية، وكذا تعطيل قناة السويس بالكامل.
أيًّا كانت الترتيبات الإقليمية والدولية، فالعملية تشكل خطرًا وجوديًا على كل الدول المتشاطئة على البحر الأحمر بدرجة أساسية، كما تشكل خطرًا على تأمين التجارة العالمية.
وأصبحت إيران لديها اليد الطولى في تحريك أدواتها لتحقيق أهدافها السياسية في البحر الأحمر، وأبعد من ذلك ليشمل القرن الأفريقي.
منذ بداية العام الحالي، والسياسات التي تدير المشهد في انحدار؛ فالأزمات في ازدياد وفي كل الاتجاهات، دون بصيرة، حتى أصبح المشهد السياسي والعسكري مظلمًا، تقوده عقول تكاد تكون عمياء، لم تستطع أن تفرق بين الأساسي والثانوي، وبين الممكن وغير الممكن. وحتى ترتيب الأولويات مفقود، وهذا ما يعكس حال وضع باب المندب وحواليه، وتسليمه لإيران.
إيران حققت حلم الإمبراطورية الفارسية بالوصول إلى باب المندب تحت جلباب الإسلام، ومن هنا ستنطلق في تحقيق بقية أهدافها في بقية البلدان العربية والقرن الأفريقي، وستكون العواقب وخيمة على مستقبل المنطقة العربية، الذي سيدخل نفقًا مظلمًا.
وقبل فوات الأوان، فإن المراجعة عملية مهمة وأساسية لوقف التدهور في الأداء السياسي والعسكري، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
قاسم عبدالرب العفيف
13/9/2026