شارك الخبر
عمر الحار
اشتغلت أوساط سياسية وإعلامية واسعة على دلالات الزيارة المفاجئة لسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس ديوان الرئاسة، إلى المملكة العربية السعودية، اليوم الثلاثاء، في زيارة وُصفت رسميًا بأنها «أخوية»، وجاءت تلبيةً لدعوة من وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز.
ورغم أن العنوان الرسمي للزيارة جاء مقتضبًا، فإن توقيتها يفتح الباب واسعًا أمام قراءات تتجاوز البيانات البروتوكولية، خصوصًا في ظل ما شهدته العلاقات السعودية الإماراتية خلال الأشهر الماضية من تباينات حادة انعكست بصورة مباشرة على واحد من أكثر الملفات الإقليمية حساسية، وهو الملف اليمني.
فالزيارة، بما تحمله من مستوى تمثيل رفيع، لا تبدو مجرد محطة بروتوكولية عادية؛ إذ تأتي في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى إعادة ترتيب كثير من أوراقها، وفي مقدمتها العلاقة بين قطبي التحالف العربي، وما يمكن أن يترتب على أي تقارب بينهما من انعكاسات على المشهد اليمني، وعلى مسارات الحرب والتسوية السياسية معًا.
واللافت أن اللقاء المعلن بين الشيخ منصور بن زايد والأمير محمد بن سلمان، واخيه الامير خالد بن سلمان تناول العلاقات الأخوية وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين وشعبيهما. وهذه اللغة الرسمية، وإن كانت لا تكشف تفاصيل الملفات التي نوقشت، تحمل في حد ذاتها إشارة إلى أن إعادة تنشيط قنوات التواصل بين الرياض وأبوظبي باتت أمرًا حاضرًا في المشهد.
ومن هنا تكتسب الزيارة أهميتها؛ فمجرد انتقال مسؤول إماراتي بهذا المستوى إلى الرياض، بعد مرحلة من التوتر العلني بين البلدين، يمكن قراءته باعتباره محاولة لفتح نافذة جديدة في العلاقة، أو على الأقل اختبارًا لإمكان استعادة مستوى من التنسيق الذي ظل لعقود أحد أبرز مرتكزات السياسة الخليجية.
أما اليمن، فلن يكون بعيدًا عن أي تفاهم سعودي إماراتي جديد.
فالتجربة السابقة أثبتت أن أي اختلاف في مقاربة الرياض وأبوظبي للملف اليمني لا يبقى محصورًا في حدود العلاقة الثنائية، بل سرعان ما تظهر انعكاساته داخل اليمن، سياسيًا وعسكريًا، وعلى طبيعة موازين القوى ومسارات التسوية.
ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: لماذا جاءت زيارة الشيخ منصور بن زايد إلى الرياض؟ بل: ماذا يمكن أن تنتج عنها؟
هل نحن أمام مجرد استعادة للاتصال السياسي بين عاصمتين خليجيتين؟ أم أن الزيارة تمثل بداية تفاهم أوسع يمكن أن يعيد ترتيب بعض أوراق المنطقة، وفي مقدمتها الورقة اليمنية؟
وفي السياسة، كثيرًا ما تكون الصورة أبلغ من البيان.
فالصورة التي جمعت سمو الامير محمد بن سلمان، وسمو الشيخ منصور بن زايد في لحظة سياسية شديدة الحساسية قد لا تكشف ما دار خلف الأبواب، لكنها تقول إن الأبواب نفسها لم تعد مغلقة. فظهور التقويم السنوي على الطاولة الفاصلة بينهما بصورة لافتة، تقول بان الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 قد لا يكون يومًا عاديًا في مسار العلاقات السعودية الإماراتية، ليس لأن التاريخ وحده يصنع التحولات، وإنما لأن ما قد يتبع هذه الزيارة من خطوات وتفاهمات هو الذي سيحدد ما إذا كانت الرياض وأبوظبي قد بدأتا بالفعل استعادة مسار التنسيق، أم أن الأمر لا يزال في حدود جسّ النبض السياسي.
ويبقى اليمن، بكل تعقيداته، أحد أهم الاختبارات لأي صفحة جديدة قد تُفتح بين البلدين.
فإذا نجحت الزيارة في كسر جليد الأزمة، فقد يكون أثرها أكبر من حدود العلاقة الثنائية، وربما امتد إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي واليمني على وجه الخصوص.
والأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت زيارة منصور بن زايد مجرد زيارة أخوية، كما وصفها البيان الرسمي، أم أنها كانت رسالة سياسية صامتة لبدء صفحة جديدة.