شارك الخبر
دلتابرس – خاص
بعد أكثر من نصف قرن، ما تزال ذاكرة حرب أكتوبر حاضرة بكل تفاصيلها في وجدان الأستاذ عبد الدايم سعد عبد الدايم حسان، أحد أبناء قرية جروان بمركز الباجور في محافظة المنوفية، الذي التحق بالقوات المسلحة المصرية في الخامس من سبتمبر عام 1970، وكان يومها في التاسعة عشرة من عمره.
لم يدخل الجيش وهو يعرف تفاصيل الحرب أو أسباب هزيمة يونيو 1967، بل كان كل ما يعرفه أن بلاده «انهزمت»، كما كان يسمع من الراديو. يقول إن فضوله دفعه إلى السفر إلى مصر والالتحاق بالجيش دون علم والديه، ولم يكن يحمل معه سوى أجرة الطريق.
كانت بداية قصته في مركز التدريب، حيث كان مسؤول مرحلة الإعداد ضابط يُدعى «عبد الناصر»، وكان الجنود لا يحبونه لشدة تدريباته وقسوته في التعامل.
لكن صباح 28 سبتمبر 1970 حمل إليه خبرًا لم يفهمه في البداية.
يقول عبد الدايم:
«لاحظت يومها حركة غير طبيعية، وشفت واحد من زمايلي بيعيط، وبعد شوية جه واحد تاني وقعد يعيط. سألتهم: بتعيطوا ليه؟ فرد الأول وهو منهار من العياط: عبد الناصر مات».
فهم عبد الدايم الأمر على غير ما ينبغي، وظن أن المقصود مسؤول التدريب الذي يحمل الاسم نفسه، فقال:
«الله يرحمه.. أهو هنترحم من التدريبات بتاعته».
لكن زميله كرر: «بقول لك عبد الناصر مات».
وظل الأمر غامضًا بالنسبة إليه حتى جاء زميل ثالث وقال له: «الريس عبد الناصر هو اللي مات».
يقول: «سمعت الكلام ومنطقتش. انقهرت، لكن معيطتش. طبعي كده؛ في لحظة الحدث الكبير أمسك نفسي لغاية ما يعدي، وبعدها أبقى أعيط بيني وبين نفسي.. وعبد الناصر مات».
من التدريب إلى مطار أبو حماد
بعد انتهاء التدريب وتحديد مكان خدمته، انتقل عبد الدايم إلى سلاح الإشارة بالقوات الجوية في مطار أبو حماد بمحافظة الشرقية، وهناك بدأت مرحلة أخرى من حياته، مرحلة يقول إنها جعلته يعرف حقيقة ما جرى في حرب 1967 وما عاشه أفراد الجيش خلال تلك السنوات.
كان بين الجنود والقدامى الذين سبقوهم في الخدمة من عاشوا حرب اليمن وحرب 1967، وكانوا ينقلون للأجيال الجديدة ما شهدوه من أهوال الحرب.
ويتذكر خصوصًا زميلًا يُدعى «عم مصلحي»، من إحدى قرى مركز قويسنا بمحافظة المنوفية، التحق بالجيش عام 1964، وشارك في حرب اليمن، ولم يخرج من الخدمة إلا ضمن أول دفعة بعد حرب 1973.
كان «عم مصلحي» خفيف الظل، وكان يمازح الجنود قائلًا:
«أنا أكبر من القائد بتاعك إنت وهو».
ويؤكد عبد الدايم أنه كان حاضرًا في الحرب وخدم في مطار أبو حماد، وكانت له مهام محددة، لكنه يصر على أن دوره كان غير مباشر، وأن أصحاب الفضل الحقيقي، في نظره، هم الذين عبروا إلى الضفة الأخرى وكانوا في «وش النار».
ويقول:
«اللي عمل وضحى وشارك فعلًا هما اللي عدوا الناحية التانية وكانوا في وش النار.. دول اللي عملوا ويستحقوا، ولازم نحفظهم».
«لا أستطيع أن أحكي كل ما رأيت»
رغم مرور أكثر من خمسين عامًا، ما يزال عبد الدايم يتحفظ عن الحديث في تفاصيل كثيرة مما سمعه أو شاهده خلال خدمته العسكرية، خصوصًا ما يتعلق بما دار بين الجنود والضباط أو ما سمعوه من القيادات.
ليس خوفًا من الذاكرة، وإنما احترامًا للمسؤولية التي حملها الجندي معه حتى بعد خروجه من الخدمة.
ويقول إن بعض ما شاهده ظل محفوظًا في ذاكرته، لكنه لا يريد الخوض في تفاصيله، سواء من زاوية الأمن العسكري أو المسؤولية القانونية.
ومن أكثر الذكريات ألمًا ما يتعلق بالشهداء الذين سقطوا خلال الغارات، عسكريين كانوا أو مدنيين من عمال المصانع الذين كانوا يشاركون في بعض المهام.
يقول:
«لسه فاكر إني مشيت ألم أجساد زمايلي بعد الغارات من الأرض وممرات الطيران. مشينا وإحنا مش عارفين ده مين ولا ده مين».
ويضيف أن الجنود في لحظة الحدث لم يكونوا يشعرون بحجم ما يقومون به، لكن الألم كان يأتي بعد ذلك، وربما كان أقسى من لحظة الموت نفسها.
«فاكر، بس لا يمكن أحكي بالتفصيل أبدًا؛ لأن الخبر راح لأهل زمايلي: شهيد. وحتى لو فات أكتر من خمسين سنة، ما أجددش جرحهم أبدًا».
جيش واحد.. لا فرق بين ضابط وعسكري
يتذكر عبد الدايم أن الحياة العسكرية في تلك المرحلة كانت تقوم على نظام صارم، وأن الجميع كان ملتزمًا بالتعليمات، من أعلى رتبة إلى أصغر جندي.
وكانت هناك أساليب محددة لتوزيع الأفراد، وتصنيف الكفاءات، والانتشار، وحماية المطارات، خاصة خلال الليل، إضافة إلى التعامل مع تخصصات كانت تعد آنذاك من التخصصات النادرة.
لكن أكثر ما بقي في ذاكرته هو حالة التماسك بين أفراد القوات المسلحة.
يقول:
«وقتها مكنش في فكرة ده ضابط وده عسكري في التعامل. طيار ولا مهندس ولا ضابط ولا فني ولا عسكري، مسلم ولا مسيحي، كلنا كنا واحد وإخوات، وعارفين إننا هنموت.. هنموت، فالكل كان محترم مع بعضه».
وكانت المؤهلات العلمية قد بدأت تلعب دورًا متزايدًا داخل الجيش؛ إذ كان بين المجندين خريجو الهندسة والتجارة والحقوق وغيرهم، بعد أن أصبحت الخدمة العسكرية تضم أعدادًا أكبر من حملة المؤهلات العليا والمتوسطة.
مهندسون واجهوا الموت حتى لا يتوقف المطار
ومن أكثر المشاهد التي لا ينساها عبد الدايم قصة مجموعة من المهندسين الذين تلقوا تدريبًا متخصصًا في تأمين المتفجرات، والتحقوا بالخدمة في المطار.
بعد تعرض المطار للقصف، بقيت متفجرات على الممرات لم تنفجر، وكان وجودها يهدد حركة الطيران ويعطل العمليات.
رغم خطورة المهمة، تقدم المهندسون للتعامل معها، لأن الهدف كان واضحًا: ألا يتوقف المطار وألا تتأثر العمليات.
انقسم الفريق إلى مجموعتين، وتوجه أحد المهندسين بمفرده للتعامل مع إحدى القنابل، فيما قاد مهندس آخر فريقًا للتعامل مع أخرى.
وما إن اقترب المهندس الأول حتى وقع انفجار هائل، فظن الجميع أنه استشهد.
لكن عندما انقشع الدخان ظهر المهندس حيًا، ولم يصبه أذى يُذكر، سوى أن وجهه كان مغطى بالسخام.
أما الفريق الآخر فلم يكن محظوظًا، إذ استشهد أفراده أمام زملائهم.
ويقول عبد الدايم إن تلك اللحظة كشفت حجم التدمير الذي يمكن أن تحدثه مثل هذه الانفجارات، لكنها كشفت أيضًا حجم الإصرار الذي كان يملأ نفوس أفراد الجيش.
«كنا نتمنى أن نكون طلقة في المدفع»
يؤكد عبد الدايم أن المناخ العام داخل القوات المسلحة كان يدفع الجميع إلى التفكير في شيء واحد: الحرب.
وكان للتوجيه المعنوي دوره في رفع الروح المعنوية، إلى جانب الأنشطة الترفيهية التي كانت تنظم للجنود، من حفلات وعروض سينمائية، وفق نظام وتبادل بين الوحدات.
كما يتذكر الدور الذي كان يقوم به شيوخ الأزهر داخل القواعد العسكرية، ومن بينهم شيخ أزهري من الزقازيق كان يزورهم بصورة مستمرة، ويقول إن أداءه كان على مستوى عالٍ جدًا، وإن الرئيس أنور السادات كرّمه بعد الحرب.
ويصف الحالة النفسية التي سبقت الحرب قائلًا:
«وصلنا لدرجة إن الواحد كان يتمنى يبقى طلقة في المدفع، أو يتحط مكان الصاروخ اللي هيضرب الإسرائيلي ويموته. المهم نحارب ونهزم إسرائيل».
ويضيف، مستعيدًا لغة تلك الأيام:
«هنموت؟ وإيه يعني؟ إن شاء الله الواحد يتقطع أربع تربع.. أتقطع وماله، بس أتقطع وأنا واخد قصادي عشرين إسرائيلي الأول».
الطيارون.. «كانوا أغلى ناس»
يخصص عبد الدايم جزءًا كبيرًا من شهادته للطيارين الذين خدموا في مطار أبو حماد، ويصفهم بأنهم كانوا مختلفين في سلوكهم وأخلاقهم.
يقول:
«كل الحرب كوم والطيارين بتوعنا في المطار كانوا كوم تاني. ناس راقية في التعامل والأسلوب والأخلاق فوق الوصف. مكنش فيهم كبر ولا نبرة: أنا طيار».
ويقول إنهم كانوا قريبين من الجنود، يحضرون الصلاة في المسجد ويجلسون حيث يجدون مكانًا، دون أن يشعروا بفارق في الرتبة، باستثناء قائد القاعدة الذي كان يجلس في الصف الأول.
ويتذكر الطيار «بشير»، وهو من النوبة في محافظة أسوان، وكان قصير القامة وجسمه صغيرًا، لكنه كان شديد الالتزام بعمله.
وبحسب روايته، نفذ بشير إحدى المهام بنجاح، وفي طريق عودته لاحظ تحرك الطيران الإسرائيلي على الأرض، فأبلغ القيادة ثم عاد لمهاجمة المطار، في موقف يعكس، كما يقول عبد الدايم، حجم الشعور بالمسؤولية الذي كان يميز أولئك الطيارين.
ويقول إنه لم يكن يرى بشير إلا في المسجد للصلاة وقراءة القرآن أو أثناء التدريب.
كما يتذكر الطيار علي حسن علي، الذي شارك في إحدى أكبر المعارك الجوية، وتمكن، بحسب روايته، من إسقاط أربع طائرات رغم محدودية الذخيرة التي كانت بحوزته، قبل أن يكرمه الرئيس السادات لاحقًا في مجلس الشعب.
«أنا كويس».. ثم استشهد فوق مطار طنطا
ومن أكثر القصص التي ظلت عالقة في ذاكرته قصة الطيار الشهيد مجدي كامل.
كان مجدي، بحسب وصفه، ذكيًا جدًا، طويل القامة نسبيًا وضخم البنية مقارنة ببقية الطيارين، وشارك في الطلعة الجوية الأولى وحقق الأهداف المكلف بها.
وفي يوم استشهاده عاد من إحدى العمليات، ودخل لإجراء اتصال بأسرته.
كان الطيارون في ذلك الوقت يتمتعون بإمكانية استخدام الهاتف للاطمئنان على أسرهم، فاتصل مجدي بزوجته، وقال لها:
«أنا كويس».
أغلق الهاتف، ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى استُدعي للمشاركة في الدفاع عن منطقة الدلتا.
خرج مجدي إلى المعركة، وتمكن، بحسب رواية عبد الدايم، من إسقاط طائرتين تقريبًا، وأثناء مهاجمته طائرة ثالثة أصيبت طائرته واستشهد فوق مطار طنطا يوم 14 أكتوبر.
ويقول عبد الدايم:
«يعني ما بين أنا كويس لمراته والشهادة مفيش.. الله يرحمه».
ثمانية طيارين في مواجهة سرب إسرائيلي
ويتذكر أيضًا إحدى المعارك الجوية التي وقعت قرب قاعدة أبو حماد وأبو صوير.
خرجت في البداية أربع طائرات من القاعدة، ثم وردت أنباء عن زيادة عدد الطائرات الإسرائيلية المشاركة في الاشتباك.
ويؤكد عبد الدايم أن الأرقام قد لا تكون دقيقة بعد مرور أكثر من نصف قرن، لكنه يتذكر جيدًا أن أربع طائرات أخرى خرجت من القاعدة، ليصبح العدد ثماني طائرات مصرية في مواجهة القوة المعادية.
ويقول، وفق ما بقي في ذاكرته، إن الطائرات المصرية تمكنت من إسقاط معظم الطائرات الإسرائيلية المشاركة، باستثناء طائرتين تقريبًا، مقابل فقدان طائرة مصرية واحدة.
وكان أحد الجنود يتابع عودة الطائرات بطريقة طريفة؛ إذ كان يحتفظ بعدد من الحصى يساوي عدد الطائرات التي خرجت لتنفيذ المهام، وكلما عادت طائرة ألقى حصاة على الأرض، ولم يكن يقتنع بأن الجميع عاد إلا عندما تنتهي الحصى من يده.
ويقول عبد الدايم:
«الطيارين اللي كانوا معانا حق كانوا أغلى ناس.. دول أغلى ناس ودمك حلال لهم».
حتى الزواج كان مؤجلًا بسبب الحرب
لم تكن الحرب حاضرة في الخدمة العسكرية فقط، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة الشخصية.
كان والد عبد الدايم يريد تزويجه، لكنه كان يرفض بشدة.
يقول:
«كنت بقول له: إحنا في حرب، ومحدش عارف الحرب هتقوم إمتى، ويا عالم هرجع منها عايش ولا ميت. أروح أتجوز وأخلف عيل يتربى ويعيش يتيم إزاي؟ وأمه تعيش وتكبره منين؟».
ولما أصر على موقفه، قام والده بتزويج أخيه الأصغر منه، بعدما بدأ يقلق من تأخره في العودة إلى المنزل بعد صلاة العشاء.
«كنت من الأغنيا».. 21 جنيهًا من الجيش و13.5 من التعليم
خلال خدمته العسكرية وصل إليه قرار تعيين في وزارة التربية والتعليم، في عام 1973 تقريبًا، لكنه كان لا يزال في الخدمة.
استخرج ما يثبت وجوده في القوات المسلحة، وتم حفظ وظيفته لمدة عامين، إلى أن أنهى خدمته عام 1975.
ويقول إن هذين العامين انعكسا لاحقًا على وضعه الوظيفي والدرجات المالية والعلاوات، وكانا سببًا في حصوله على زيادة تقارب جنيهًا ونصف الجنيه مقارنة ببعض زملائه.
ويتذكر ابتسامًا أنه كان يتقاضى من الجيش 21 جنيهًا، ومن التربية والتعليم 13 جنيهًا ونصف الجنيه.
ويقول:
«بكده بقيت من الأغنيا.. وكنت بدي الفلوس كلها لأبويا، أصل هعمل بيها إيه؟ هما أولى».
لم تكن حالة الجيش وحده.. «الشعب كله كان يريد الحرب»
وفي نهاية شهادته، لا يرى عبد الدايم أن الروح التي عاشها الجنود كانت حالة خاصة بالقوات المسلحة وحدها، بل يراها صورة لمجتمع كامل كان يعيش الحرب باعتبارها قضية وطنية جامعة.
يقول:
«دي كانت حالة بلد بحالها. المجتمع لا كان بيفكر في أكل ولا شرب، ولا متاح ولا مش متاح. الشعب مكنش بيتكلم في غلا ولا غيره».
كانت الأسر تتعامل مع كوبونات السلع الشهرية، وتدبر أمورها بما هو متاح، بينما كان الهم الأكبر هو الحرب.
ويختصر تلك المرحلة بقوله:
«كله سكت ومبقاش يفكر غير إننا هنحارب ونهزم إسرائيل.. الشعب كان عايز يحارب.. يحارب بس».
وبعد أكثر من خمسين عامًا، بقيت الذاكرة حاضرة، لكن صاحبها لا يريد أن يحولها إلى استعراض للبطولة الشخصية، بل يرى أن البطولة الحقيقية كانت لمن عبروا إلى النار، ومن عادوا، ومن لم يعودوا.
ولهذا يقول عن نفسه إنه كان يؤدي دوره ضمن منظومة كبيرة، بينما يستحق الذين قاتلوا واستشهدوا أن تبقى أسماؤهم في الذاكرة.
شهادة: الأستاذ/ عبد الدايم سعد عبد الدايم حسان
معاش بالتربية والتعليم – قرية جروان، مركز الباجور، محافظة المنوفية
الخميس 1 أكتوبر 2026
الصورة من ألبومه الشخصي، وهي الصورة الوحيدة له بالزي العسكري.
أبقيتُ في النص الأرقام والتواريخ التي قال عنها صاحب الشهادة إنها قد لا تكون دقيقة، خصوصًا أعداد الطائرات، بصيغة «بحسب روايته» أو «وفق ما بقي في ذاكرته»؛ وهذا أنسب صحفيًا بعد مرور أكثر من نصف قرن، ويحافظ في الوقت نفسه على قيمة الشهادة الشخصية.