شارك الخبر
«الحرب خدعة»، والخداع الاستراتيجي مطلوب في الحروب، والسادات كان يفوق الثعالب دهاءً في الخداع.
أولًا: الخداع الاقتصادي
كان هذا الخداع جزءًا من الخداع الاستراتيجي لنصر أكتوبر. فقد قام السادات عمدًا بإفراغ الميزانية الرسمية، حتى إذا قرأها أي جاسوس يقول: «مصر بتشحت». لكن في السر كان هناك حساب موازٍ، إلى جانب تبرعات المصريين في الخارج، ومساعدات الخليج وليبيا والجزائر، وتم تمويل صفقات السلاح من هذه الموارد.
ثانيًا: طرد الروس
طرد السادات الخبراء الروس ليحرر قرار الحرب بعيدًا عن موسكو، واقتصاديًا وفّر ملايين الدولارات التي كانت تُنفق على إعاشة وسكن وامتيازات نحو 17 ألف خبير سوفيتي وعائلاتهم كانوا يعيشون في مصر.
ثالثًا: خدعة طائرات الميراج الفرنسية
عندما كانت فرنسا تفرض حظرًا على تسليح مصر، جعل السادات القذافي يشتري 110 طائرات «ميراج 5»، ثم أرسل السادات الطيارين المصريين للتدرب عليها في قاعدة طبرق الليبية، ونُقلت الطائرات بعد ذلك سرًا إلى مصر قبل الحرب بأيام.
رابعًا: خدعة الانفتاح الاقتصادي
عندما أوحت الخطة للمخابرات الإسرائيلية والأمريكية بأن مصر لا تملك قمحًا ولا دولارات، وقام السادات بسن قوانين الانفتاح الاقتصادي، قالوا وقتها: «السادات مش بتاع حرب، ده بتاع بيزنس».
وهذا تحديدًا ما كان يريده السادات؛ كان يريدهم أن يصدقوا أنه مفلس، والمفلس لا يفكر في الحرب.
أما الخدعة الكبرى والأعظم، فكانت قبل الحرب بشهر، وتحديدًا في سبتمبر 1973.
في ذلك الوقت كان السادات مسافرًا لحضور مؤتمر حركة عدم الانحياز في الجزائر، وقرر أن هذا هو الوقت المناسب لتنفيذ خطته الخداعية.
استدعى السادات رئيس المخابرات وقال له: «عاوزك تسرب معلومة إن عندي مرض خطير ومحتاج أتعالج منه في أوروبا، وعايز المعلومة تتنشر وأنا موجود في الجزائر».
وكانت المخابرات المصرية على علم بأحد الدبلوماسيين الجزائريين الذي كانت له علاقة بالموساد الإسرائيلي في باريس، وكان بحكم عمله يتحرك بين الجزائر وفرنسا.
واعتمدت الخطة المصرية على تسريب خبر مرض السادات إلى ذلك الدبلوماسي، عن طريق دبلوماسي مصري يعمل منذ مدة طويلة في سفارة مصر بالجزائر، وكان في الوقت نفسه يعمل مع المخابرات المصرية.
وبالفعل بدأ التنفيذ.
كانت الخطة أن يتقرب الدبلوماسي المصري من الدبلوماسي الجزائري ويقوم بمصاحبته، ثم يطلب منه شراء بيت أو فيلا فخمة على أطراف باريس، في مكان هادئ، على أن يقول له إن لديه معارف في باريس ويمكنه مساعدته.
وعندما يسأله الدبلوماسي الجزائري عن السبب، يتردد في الكلام ويقول له: «ده سر، وأخاف أقولهالك وتقول لحد».
وبعد أن يوعده الدبلوماسي الجزائري بأنه لن يخبر أحدًا، يتراجع الدبلوماسي المصري مرة أخرى ويقول له: «أرجوك، بس ده يفضل سر بينا».
ثم يخبره بأن البيت سينزل فيه السادات بعد أسبوعين، وتحديدًا في أول أكتوبر، لأنه مريض بمرض عضال ويحتاج إلى زيارة طبيب فرنسي شهير متخصص في المرض الذي يعاني منه، وأن الرئاسة المصرية اتفقت بشكل سري مع الطبيب لعلاج السادات في عيادته بباريس.
وطبعًا فرح هذا الجاسوس بالخبر، ووافق ورحب بالمساعدة، وبالفعل عثر على فيلا، وحتى تكون الخطة محبوكة إلى النهاية، أخذ عمولته.
وبالفعل وصلت المعلومات إلى إسرائيل بشكل فوري.
وكما تقول الوثائق الأمريكية، اختفى السادات بعد عودته من الجزائر إلى مصر، وابتعد عن الإعلام تمامًا. كما أمر السادات المخابرات المصرية بفرض حراسة قوية على الفيلا في باريس، بشكل يجعل الموساد والمخابرات الأمريكية يصدقان أن السادات موجود داخل الفيلا.
وكانت نتيجة هذا التمويه أن تقديرات الإسرائيليين والأمريكيين خلصت إلى أن السادات لن يدخل حربًا في هذا الوقت، لأنه مريض ويتلقى العلاج.
وبعد أيام، وعلى حين غفلة، كان السادات يقود الجيش المصري نحو واحدة من أعظم انتصاراته في حرب أكتوبر.
ولا ينبغي أن نقلل من الدور الجزائري العظيم في حرب أكتوبر. فبسبب هذا الجاسوس، وربما عبر قنوات أخرى، كانت المعلومات تصل إلى إسرائيل، لكن الجزائر، وعلى رأسها آنذاك الزعيم هواري بومدين، أرسلت المال والعتاد والرجال بلا حدود.
وعندما سأل الرئيس هواري بومدين السادات: «إمتى العبور والحرب؟»، قال له السادات: «هناجلها شوية، لأن السوفيت عايزين باقي صفقة السلاح».
فلم يتردد الرئيس بومدين، وسحب الأرصدة من بنوك الجزائر، وسافر إلى روسيا، وشحن السلاح، ثم اتصل بالسادات فجرًا وقال له: «السلاح في طريقه إلى مصر».
رحم الله بطل الحرب والسلام أنور السادات، والرئيس الجزائري هواري بومدين، وكل من وقف مع مصر في تلك الأيام العصيبة من ملوك وأمراء ورؤساء دول.
الصورة: الرئيس المصري أنور السادات مع الرئيس الجزائري هواري بومدين.
إذا كان الهدف نشره في دلتا برس، أستطيع أيضًا تحويله من مجرد تصحيح لغوي إلى مادة صحفية أكثر قوة وإثارة، مع �عنوان رئيسي جذاب و�مقدمة صحفية، مع الحفاظ على الرواية كما هي.