شارك الخبر
دلتا برس ـ”كتب-عبدالرقيب السنيدي”
تهلّ علينا ذكرى أكتوبر المجيدة في عيدها الثالث والستين، وشعبنا الأبيّ يخوض معارك ضروساً مع مليشيات الحوثي والإخوان الإرهابية في مختلف جبهات الشرف والتضحية. وتأتي هذه المناسبة وقد حقق أبطالنا الأشاوس انتصارات كبيرة في جبهات الصبيحة وباب المندب وكهبوب، تلك الذكرى التي ارتبطت بانتصارات الأبطال في ستينيات القرن الماضي بعد ثورة استمرت اربع سنوات، حقق فيها شعبنا الأبيّ الاستقلال الوطني المجيد، وطرد آخر جندي بريطاني من أرضه الطاهرة. فما بين أكتوبر الأول وأكتوبر الثاني، تمتد مسيرة شعبٍ لم يعرف الاستسلام، ووطنٍ لا يزال يدفع ضريبة حريته من دماء أبنائه، لأن الحرية ليست هبةً تُمنح، بل حقٌّ يُنتزع.
لم يكن الاحتفال بذكرى أكتوبر لهذا العام كغيره من المناسبات الماضية، بل يأتي هذا العام وشعبنا يعيش حرباً ضروساً ومؤامرات كبيرة على المستوى السياسي والدبلوماسي والعسكري، ولا سيما ما تعرضت له قواتنا المسلحة في أوائل يناير من اعتداء وقصف راح ضحيته المئات من الشهداء والمصابين، وكذا استهداف الوفد الجنوبي، وتخاذل جيش الإخوان في حربه مع المليشيات الحوثية، وسياسات استهدفت القيادات العسكرية والرموز الجنوبية. كل هذا وذاك كان لتحقيق أمنيات المتآمرين والقوى الاحتلالية، لكنه عكس رؤيةً واضحةً لدى المجتمع الدولي والإقليمي عن موقف المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية في رفض المد الإيراني في المنطقة وأذرع الحوثيين، وما امتازت به قواتنا من التضحية والاستبسال في كسر شوكة المليشيات الحوثية والإخوانية. إنها معركة وجود لا معركة حدود، وصراع إرادات لا صراع مناصب؛ فمن يحمل قضية عادلة لا تهزمه المؤامرات، ومن يمتلك إرادة شعب لا تخيفه الحصار.
واليوم ونحن نتذكر شهداء ثورة أكتوبر المجيدة، نستلهم بكل فخر واعتزاز تلك المواقف والتضحيات الجسام، وما يقدمه الأبطال اليوم في مختلف الميادين، وهي مواقف يفخر بها وطننا الأبيّ في الذود عن الوطن وسيادة أرضه، التي نرسم بها ملامح المرحلة القادمة، والتي يجب على قيادتنا السياسية استثمار تلك الانتصارات العسكرية وترجمتها على أرض الواقع، وربط الانتصار الميداني بترتيبات سياسية تعيد لشعبنا وقضيتنا موقعهما الحقيقي في معترك الصراع، وتفرض أمراً واقعاً يخيب آمال كل الحسابات التي تهدف إليها قوى الاحتلال في القضاء على المنجزات التي تحققت وعودة الجنوب وأرضه تحت سيادة الاحتلال، وهذا ما تخطط له كل القوى العدائية في النيل من قضيتنا وتضحيات شعبنا على مدى عقود من الزمن. فالانتصار الميداني الذي لا يُتوّج بترتيب سياسي يظل ناقصاً، والسياسة التي لا تحميها البنادق تظل رهينة المزايدات.
إن احتفالنا اليوم بهذه الذكرى العظيمة، بعد ثلاثة وستين عاماً، يأتي وشعبنا وأبطالنا الأشاوس ما زالوا يخوضون حرباً مع قوى الاحتلال اليمني بمختلف مسمياتها. نحن بحاجة اليوم إلى سياسة حكيمة تهدف إلى مراجعة أخطاء المراحل السابقة، والعمل على نبذ الخلافات والاصطفاف الجنوبي، ورسم مستقبل المرحلة القادمة بما يتواكب مع حجم وعدالة قضيتنا التي ضحّى من أجلها الآلاف من الشهداء، والسير خلف القيادة السياسية المتمثلة في القائد الرمز عيدروس الزبيدي، للوصول إلى الهدف الأسمى المتمثل باستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة بحدودها التي كانت عليها قبل عام 1990م. إن القضية الجنوبية ليست ملفاً عابراً في أجندة الإقليم، بل هي مفتاح أمن البحر الأحمر وبوابة استقرار المنطقة.
ورغم كل المؤامرات التي تعرض لها شعبنا الجنوبي الابي، ما زال ذلك الشعب صامداً بكل بسالة في وجه القوى التآمرية، في الدفاع عن الجنوب وسيادة أرضه، وإفشال كل المخططات للنيل من قضيتنا وأمن واستقرار أرضنا. ها هو اليوم يحشد الطاقات للتعبئة العامة في الدفاع عن الجنوب وقضيته العادلة، ودعم الجبهات بالمؤن والمقاتلين، ودعوة أبناء الجنوب قاطبة للاحتشاد والاحتفاء بالذكرى العظيمة “ذكرى أكتوبر المجيدة”، هذه الذكرى التي ولدت من رحم الكفاح المسلح لثورة 14 من أكتوبر، تلك الثورة التي تحقق فيها الاستقلال الوطني من أكبر إمبراطورية في العالم، وهي انطلاقة لمرحلة جديدة تعيد ترتيب البيت الجنوبي لخوض معترك المرحلة القادمة من السيادة على الأرض، وفرض أمر واقع جديد يعيد حسابات الدول الراعية، ويرسم الطريق الذي انتظره شعبنا طويلاً. ولتكن هذه الذكرى مجد الانتصارات، وطريق إيصال قضيتنا إلى مكانها الحقيقي، وإفشال كل المؤامرات التي لحقت بشعبنا على مدى عقود من الزمن، ونيل الاستقلال الثاني وإعلان الدولة الجنوبية كاملة السيادة، وهو ما يضمن أمن واستقرار المنطقة وتأمين مصالح الدول وممراتها المائية. فلا صوت يعلو فوق صوت الجنوب، ولا شرعية لمن يزايد على دماء شهدائه، ولا مستقبل لمنطقة تتجاهل حق شعبٍ اختار الحرية طريقاً والكرامة تاجاً