شارك الخبر
في سجل الصحافة العدنية والعربية، تبرز أسماء تجاوز أثرها حدود المؤسسات التي عملت فيها، لتصبح جزءًا أصيلًا من ذاكرة المهنة وتاريخها. ومن بين هذه القامات الصحفية الراحل الكبير **محمد عبدالله مخشف**، الذي كرّس أكثر من خمسة عقود من حياته للعمل الصحفي والإعلامي، متنقلًا بين الصحف ووكالات الأنباء والإذاعات والمجلات، ومشاركًا في تأسيس مؤسسات صحفية ونقابية، حتى غدا أحد أبرز رواد الصحافة في عدن والجنوب، ومن الأسماء المعروفة في المشهد الإعلامي العربي.
لم يكن مخشف مجرد صحفي عاصر تحولات المهنة، بل كان شاهدًا عليها وصانعًا لبعض محطاتها، امتلك خبرة واسعة في التحرير وإعداد الأخبار والتحقيقات والعمل الميداني، وترك أثرًا مهنيًا امتد إلى أجيال من الصحفيين الذين تعلموا من تجربته ونهلوا من معرفته.
## النشأة والبدايات.. شغف بالمعرفة قاد إلى الصحافة
وُلد محمد عبدالله مخشف في 2 مارس 1947م بمدينة الشيخ عثمان في عدن، وتلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط في مدارسها، حتى بلغ الصف الثاني الثانوي وفق نظام التعليم البريطاني آنذاك، قبل أن تضطره الظروف المادية الصعبة إلى التوقف عن مواصلة دراسته.
غير أن تعثر مسيرته التعليمية لم يكن عائقًا أمام طموحه المعرفي؛ فقد عوّض ذلك بشغف استثنائي بالقراءة والاطلاع، مواظبًا على متابعة الصحف والمجلات المصرية واللبنانية، وقراءة الكتب الثقافية والسياسية والفنية التي كانت تصل إلى عدن من مختلف البلدان العربية. وأسهم هذا الانفتاح المبكر في توسيع مداركه وصقل لغته وتكوين وعيه الثقافي والسياسي، ممهّدًا الطريق أمام دخوله عالم الصحافة.
بدأت علاقته بالمهنة في سن مبكرة، من خلال صحيفة «فتاة الجزيرة» اليومية التي أصدرها الأستاذ محمد علي لقمان، حيث التحق بها محررًا صحفيًا متدربًا في قسم الاستماع، وكانت مهمته تدوين الأخبار المذاعة عبر الإذاعات وإعادة صياغتها للنشر. ومع تطور قدراته، انتقل إلى تصحيح البروفات، ثم تولى إعداد وتحرير صفحة أسبوعية مخصصة للشباب، في تجربة كشفت عن استعداد مبكر للتعامل مع مختلف جوانب العمل الصحفي.
## من «فتاة الجزيرة» إلى «الأيام».. خطوات راسخة في المهنة
بين عامي 1962 و1964م، وضع مخشف اللبنات الأولى لتجربته المهنية في «فتاة الجزيرة»، قبل أن ينتقل مطلع عام 1965م إلى صحيفة «الأيام» الأهلية الصادرة من عدن، حيث عمل محررًا صحفيًا حتى عام 1967م.
وفي عام 1966م، سجّل محطة لافتة في مسيرته، بإعداد وتنفيذ تحقيق صحفي ميداني يمني موثق بالصور، نُشر في صحيفة «الأيام»، في تجربة تعكس اهتمامه بالصحافة الميدانية والاقتراب من الوقائع ونقلها إلى القارئ بصورة موثقة.
ومع توقف «الأيام» عن الصدور عام 1967م، انتقل إلى شمال البلاد، وعمل لفترة قصيرة مقدمًا للأخبار ومعدًا للبرامج في إذاعة صنعاء. ولم تدم تلك المرحلة طويلًا، إذ عاد لاحقًا إلى مسار العمل الصحفي الذي ظل المجال الأوسع لتجربته المهنية.
وكالة أنباء عدن ورويترز.. نصف قرن في قلب الخبر
شكّل عام 1970م محطة مفصلية في تاريخ مخشف المهني، إذ شارك، إلى جانب الصحفي البارز الشهيد محمد ناصر محمد، في تأسيس وكالة أنباء عدن، التي تُعد من أوائل وكالات الأنباء في الجزيرة العربية.
وفي العام نفسه، بدأ العمل مراسلًا لوكالة «رويترز» العالمية، واستمرت علاقته بها حتى وفاته عام 2021م، أي ما يقارب 51 عامًا من العمل في نقل الأخبار ومتابعة الأحداث وتغطية التطورات. وقد أكسبته هذه التجربة الطويلة مكانة بارزة في ميدان المراسلة الصحفية، ورسّخت ارتباط اسمه بلقبي «عميد المراسلين الصحفيين اليمنيين» و«ملك الخبر»
كما عمل مراسلًا لصحيفة «الاقتصادية» السعودية اليومية ابتداءً من عام 1993م، مضيفًا إلى خبرته في وكالات الأنباء تجربة أخرى في الصحافة الاقتصادية.
محطات مهنية صنعت مسيرة استثنائية
تنقل مخشف بين مواقع تحريرية وإدارية متعددة، عكست اتساع خبرته وتنوع معارفه الصحفية. فقد تولى رئاسة قسم الأخبار في صحيفة «14 أكتوبر» الرسمية الصادرة من عدن بين عامي 1973 و1978م، ثم شغل منصب مدير تحرير وكالة أنباء عدن من مطلع عام 1979م حتى منتصف عام 1980م.
وفي أواخر عام 1980م، أصبح سكرتيرًا للتحرير في صحيفة «14 أكتوبر»، واستمر في هذا الموقع حتى عام 1983م، قبل أن ينتقل إلى مجلة «المسار» الصادرة عن دار الهمداني للطباعة والنشر في عدن، حيث عمل سكرتيرًا للتحرير بين عامي 1983 و1986م.
ومع صدور مجلة «نداء الوطن» مطلع عام 1987م، المعنية بشؤون المغتربين، تولى مهام سكرتارية التحرير، ثم أصبح مديرًا لتحريرها مطلع عام 1988م، واستمر في هذا الموقع حتى عام 1990م.
وتكشف هذه المحطات عن صحفي لم يحصر نفسه في مجال واحد، بل جمع بين تحرير الأخبار وإدارة غرف التحرير والعمل في وكالات الأنباء والصحف والمجلات، مكتسبًا خبرة مهنية شاملة جعلته من الكفاءات التي يُعتد بها في المؤسسات الإعلامية التي عمل فيها.
بصمة نقابية في تاريخ الصحافة
لم يقتصر حضور محمد عبدالله مخشف على العمل الصحفي اليومي، بل امتد إلى النشاط النقابي وتنظيم المهنة والدفاع عن مكانة الصحفيين.
فقد كان من المساهمين في تأسيس منظمة الصحفيين اليمنيين في جنوب البلاد مطلع سبعينيات القرن الماضي، وشارك في مسارها التنظيمي الذي تُوّج بانعقاد مؤتمرها الأول عام 1976م تحت اسم «منظمة الصحفيين اليمنيين الديمقراطيين».
وانتُخب عضوًا في المجلس المركزي للمنظمة خلال مؤتمرها الثاني، ثم أُعيد انتخابه في المؤتمر الثالث عام 1985م. وفي مؤتمر استثنائي عُقد عام 1986م، انتُخب عضوًا في الأمانة العامة، وكُلّف بمهام سكرتير العلاقات الداخلية.
وبعد تحقيق الوحدة عام 1990م، كان ضمن الشخصيات الصحفية التي أسهمت في تأسيس الكيان النقابي الموحد، نقابة الصحفيين اليمنيين، في مرحلة سعت فيها الأسرة الصحفية إلى توحيد إطارها النقابي.
دوره في إعادة إصدار صحيفة «الأيام»
ارتبط اسم مخشف أيضًا بإحدى المحطات المهمة في تاريخ الصحافة العدنية، حين أسهم عام 1990م في إعادة إصدار صحيفة «الأيام» الأهلية، وتولى مهام سكرتير التحرير والإشراف على طباعتها عبر مؤسسة «14 أكتوبر» للصحافة والطباعة والنشر في عدن، قبل أن تمتلك الصحيفة مطابعها الخاصة لاحقًا.
وقد مثّلت هذه الخطوة امتدادًا لعلاقته المبكرة بالصحيفة، التي عمل فيها محررًا خلال ستينيات القرن الماضي، ودليلًا على استمرار حضوره في المؤسسات الصحفية التي ارتبطت بتاريخ عدن الإعلامي.
حضور عربي ودولي وتكوين أجيال صحفية
على امتداد مسيرته، شارك مخشف في مؤتمرات وندوات وورش عمل ومهرجانات وفعاليات إعلامية محلية وعربية ودولية، ومثّل بلاده ضمن وفود صحفية وإعلامية متعددة، كما التحق بدورات تدريبية داخل البلاد وخارجها، حرصًا على تطوير خبراته ومواكبة تطورات المهنة.
ولعل من أبرز جوانب إرثه المهني إسهامه في تدريب الصحفيين والإعلاميين الذين عملوا إلى جانبه وتحت إشرافه، ونقله إليهم خبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من الممارسة اليومية، في التحرير والمراسلة وإدارة العمل الصحفي.
وهكذا تجاوز أثره حدود ما نشره من أخبار وتقارير، ليشمل ما أسهم في ترسيخه من تقاليد مهنية، وما تركه من معرفة وخبرة لدى أجيال واصلت العمل في الميدان الإعلامي.
تكريم عربي تقديرًا لعطائه
تقديرًا لمسيرته الحافلة، حظي محمد عبدالله مخشف بتكريم من مؤسسات صحفية وإعلامية عدة، كما منحته جامعة الدول العربية، بعد وفاته، جائزة التميز الإعلامي العربي في 22 سبتمبر 2022م، ضمن ثلاثة صحفيين يمنيين شملهم التكريم، وذلك على هامش اجتماعات الدورة العادية الثانية والخمسين لمجلس وزراء الإعلام العرب.
وجاء هذا التكريم تقديرًا لإسهاماته في العمل الإعلامي، واعترافًا بما قدمه من خدمات للمهنة، وما مثّله من حضور في مسيرة تطوير العمل الإخباري والصحفي على مدى عقود.
الرحيل.. وبقاء الأثر
في الثاني من مايو 2021م، الموافق 20 رمضان 1442هـ، رحل محمد عبدالله مخشف في مدينة عدن، عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد مسيرة مهنية امتدت من مطلع ستينيات القرن الماضي حتى أيامه الأخيرة.
برحيله، فقدت الصحافة العدنية والعربية واحدًا من وجوهها المهنية التي ارتبطت بتاريخها الحديث، غير أن ما تركه من خبرة وتجارب ومحطات عملية ظل شاهدًا على مسيرة صحفي جعل من العمل الصحفي مشروع عمر، ومن متابعة الخبر ونقله مسؤولية مهنية لا تنقطع.
إن استحضار تجربة محمد عبدالله مخشف ليس مجرد استعادة لسيرة صحفي راحل، بل توثيق لمرحلة مهمة من تاريخ الصحافة في عدن والجنوب، ولجهود جيل أسهم في تأسيس المؤسسات الإعلامية، وترسيخ العمل النقابي، وفتح الطريق أمام أجيال جديدة من الصحفيين.
محمد عبدالله مخشف.. اسمٌ ارتبط بالخبر، ومسيرةٌ امتدت لأكثر من نصف قرن، وإرثٌ مهني يستحق أن تحفظه الذاكرة الصحفية للأجيال القادمة.