شارك الخبر
متعب قريقوش – العاصمة عدن
ما إن ارتقى الأستاذ وضاح نصر الحالمي منبر ساحة العروض، حتى سكن الضجيج، فأنصتت عدن، لا لصوت الرجل، بل لصدى وطن كامل يتكلم من خلاله.
هناك في خورمكسر، حيث اجتمعت جنوب العرب من كل فج، تحت شمس أتعبت الأجساد ولم تتعب الأرواح، وقف الحالمي آمين الأمانة العامة وفي يده أمانة، وفي صدره بيان. بدأ كفعل الكبار، لم يبدأ بنفسه، بل بدأ بقائده، نقل تحية الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي إلى شعبه، تحية لم تكن بروتوكولاً، بل كانت عهد وفاء بين قائد شعب وشعب قائد، فاطمأنت القلوب، وعرفت الجموع أن تعب الطريق من لحج وأبين وشبوة ويافع والضالع وردفان لم يذهب هباء.
ثم حلق بنا إلى حيث بدأ كل شيء، إلى ردفان، إلى تلك الجبال التي علمتنا أن الحرية لا تستجدى بل تنتزع. قالها الحالمي بلغة الشاعر السياسي، نحن لسنا هنا لنحتفل بصورة صفراء في ألبوم قديم، نحن هنا لنجدد العهد، ففي أكتوبر ولدنا، وفي نوفمبر قامت دولتنا، واليوم بعد ثلاثة وستين عاماً نعود لنقول للعالم إن إرادة الشعوب لا تشيخ، وإن الحقوق لا تموت بالتقادم، وإن الأوطان لا يكتب تاريخها إلا أهلها.
وهناك في ذروة البيان، قالها مدوية، كمن يطرق على الطاولة في مجلس العالم، إن استعادة دولتنا كاملة السيادة ليست مناورة تكتيكية في سوق السياسة، وليست ورقة نضعها على طاولة المساومة، إنها دم الشهيد، ودمعة أمه، وانتظار الجريح، ومستقبل الطفل، إنها وطن، والوطن لا يساوم عليه.
ثم استدار الحالمي بوجهه نحو حيث يجب أن تستدار الوجوه، نحو الجبهات، نحو الصامدين في وجه الحوثي، نحو جنودنا البواسل ورجال قبائل الصبيحة الأشداء، وأرسل لهم من قلب الحشد رسالة تقطر وفاء، قال لهم أنتم الطليعة ونحن الظهير، أنتم السيف ونحن الدرع، أنتم تقفون على حدود الجنوب ونحن نقف هنا نحرس ظهركم، ودماء شهدائنا ليست أرقاماً في بيان، بل هي الميثاق الذي سنبني عليه دولتنا، ولأن حماية الأرض لا تكتمل إلا بتأمين محيطها وحسن إدارة علاقاتها، فقد انتقل الحالمي بسلاسة من رسالة الداخل والجبهات إلى رسالة الأشقاء.
وللأشقاء قالها بلغة رجل الدولة العارف بموازين الأخوة، نحن لا نغلق باب الحوار، بل نفتحه، ونمد أيدينا بيضاء، لكن فلتعلموا أن الأخوة لا تعني الوصاية، وأن الشراكة لا تعني فرض الخيارات، وأن صناعة أدوات تتجاوز إرادة شعبنا لن تحمي مصالحكم، بل ستعرضها للخطر، فالجنوب الآمن المستقر هو عمقكم الاستراتيجي، وهو شريككم الصادق في حربكم ضد الإرهاب وتأمين الملاحة، ومن هذا المنطق نفسه الذي يربط أمن الجنوب بأمن أشقائه، ينطلق منطق أوسع يربط استقراره بأمن العالم بأسره.
أما للعالم فقد ختم الحالمي بقول فصل، قال إن مصالحكم في باب المندب وخليج عدن لن يحميها إلا أصحاب الأرض، ونحن أهلها، نحن لسنا عبئاً على الأمن الدولي بل نحن حجر الزاوية فيه، وأي سلام يولد في غرف مغلقة متجاوزاً إرادة شعب الجنوب هو سلام ميت، ولد ناقصاً وسيموت ناقصاً.
تلك كانت كلمة الحالمي، التي لم تكن خطاباً، بل كانت أدباً سياسياً رفيعاً، قصيدة وطن كتبت نثراً وقرئت شعراً، خرج الناس من ساحة العروض وهم لا يحملون أعلاماً فقط، بل يحملون نصاً سياسياً محكماً، يحملون وطناً في صدورهم.