شارك الخبر
نائف أبو نوف
يوم أمس الأحد 25 أكتوبر 2025 كان يوماً حزيناً ومؤلماً بكل المقاييس وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى ولكننا لم نتفاجأ فالأخبار المفجعة لم تتوقف وكل يوم يسقط عدد من الشهداء في جبهات العزة والكرامة وأصوات الأيتام والثكالى تتردد في كل بيت ومخيمات العزاء تنتصب في كل مكان.
نحن منذ عام 2015 في مآسٍ وأحزان بشكل مستمر دون توقف والمصائب تخيم على رؤوسنا حتى ألفناها واكتسبنا مناعة وصبراً وجلداً.
صباح يوم أمس استشهد الشهيد القائد البطل عشيش عبدالله هائل السعيدي في جبهة المضاربة وهو يذود عن حياض الوطن الجنوبي ويدافع عن الدين والأرض والعرض مقبلاً غير مدبر.
ظل جثمانه الطاهر في الموقع الذي استشهد فيه لساعات طويلة بسبب احتدام المعارك وضراوتها ووطيس المواجهات لكن رفاق دربه وأفراد السرية التي كان يقودها ويتقدم صفوفها صمدوا صموداً أسطورياً لم يتراجعوا ولم يتزحزحوا ولم يبارحوا متارسهم بعد استشهاد قائدهم.
وأقسموا أنهم لا يمكن أن يتركوا جثمان قائدهم الشهيد البطل عشيش السعيدي لتأخذه المليشيات الحوثية وتنكل به حتى وإن فنوا عن بكرة أبيهم. وتحت وابل النيران الكثيف والقذائف التي تنهال عليهم من كل حدب وصوب استبسلوا وانتشلوا جثمانه حينها امتزجت دموعهم بدم قائدهم وقدوتهم لترسم لوحة كتب على صدرها
(على دربكم سائرون).
فالقائد الشجاع الذي يتقدم الصفوف يستلهم منه أفراده الشجاعة والإقدام والتضحية وكذلك عندما يكون القائد قمة في التواضع والأخلاق وينظر للجميع بعين واحدة ولا يميز بين هذا أو ذاك ويعتبرهم أولاده وهو في مقام والدهم وليس قائداً عليهم يفرض احترامه ويبادلونه الوفاء بالوفاء.
إحدى عشرة سنة والشهيد عشيش السعيدي يصول ويجول ويخوض أشرس المعارك بكل شجاعة وعزيمة واستبسال حاملاً روحه على كفه لا يهاب الموت. وظن البعض أن القائد عشيش سيفقد الأمل وسيتوقف عن القتال بعد استشهاد اثنين من أفراد أسرته الشهيد القائد البطل عبدالجبار عقيل هائل والشهيد البطل شائع صالح هائل رحمة الله تغشاهم، لكنه ازداد قوة وصلابة وواصل المشوار ولم يتردد لحظة في أداء واجبه الوطني المقدس حتى نال الشهادة والتحق بهم.
ما زلت أتذكر مراسيم تشييع الشهيد القائد البطل عبدالجبار عقيل وصورته وهو مضرجاً بدمائه باقية ومرسومة في مخيلتي لا تمحوها الأيام وأيضاً حديث والده المؤثر وموقفه الصلب لقناة عدن المستقلة من على ضريح ولده بعد مواراة جثمانه الطاهر الثرى عالقة في الأذهان وتتردد في مسامعي.
سلاماً على أبٍ رباك وغرس فيك حب الوطن والوفاء والإخلاص والصفات الحميدة..
سلاماً على أمٍ أنجبتك وأرضعتك من ثديها حليب الإباء والعزة والكرامة والشموخ.
سلاماً عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً.
نم قرير العين أيها البطل المقدام والشاجع الهمام فلا نامت أعين الجبناء فدمك ودماء من سبقوك بالشهادة لن تذهب هدراً ولن نقبل بها ثمناً غير دولة جنوبية ذات سيادة، شاء من شاء وأبى من أبى.
الرحمة والمغفرة لك ولكل شهداء الجنوب ونسأل الله أن يتقبلكم بقبول حسن ويحشركم مع الأنبياء والمرسلين.