شارك الخبر
د.عبد الرحمن بشير
………………………
يقول عالم الفضاء المصري الدكتور عصام حجي ، والباحث فى وكالة ( ناسا ) الفضائية فى أمريكا : التعليم هو أقوى سلاح فى مواجهة التخلف والإرهاب ، وفى محاربة الدكتاتورية
نحن هنا أمام نوعين من التعليم ، التعليم المبني على التلقين ، والذى ينقل المعلومة من الكتاب إلى العقول ، ومن العقول إلى العقول ، فهذا النوع من التعليم يصنع مكتبة جديدة فى الحياة ، ونسخا مكررة فى البلاد ، فلا جديد فى الحياة ، ولا تجديد فيها ، أما النوع الثانى فهو مبني على التقليد أولا ، والإبداع ثانيا ، والنقد ثالثا ، والإضافة رابعا ، والتجديد خامسا ، وبلورة الأفكار سادسا، فلا نهضة بدون تعليم ، ولا تعليم بدون مناهج ، ولا يمكن صياغة مناهج بدون رؤية ، ومن وراء الرؤية رجال ، ويجب على الرجال أن يتميزوا بالفكر والعلم .
إن حاملي درجة الدكتوراة فى مصر أكثر من حاملى درجة الدكتوراة فى فرنسا كما قرر الأستاذ فهمي هويدي مرات عديدة فى مقالات نشرها فى جريدة الأهرام المصرية ، ولكن السؤال هو ، أين مصر من فرنسا ؟
إن الجامعة حين تصبح مركزا للعلم ، يجب أن تتحول من فكرة ( التعليم التلقيني ) إلى فكرة ( الإبداع والابتكار والإضافة) حينها تبدأ الأمة تخرج من مرحلة الطاعة العمياء إلى مرحلة التساؤل ، فالعلم هو التساؤل ، وهو المفتاح ، وليس الجواب ، وهو البداية ، وليس النهاية ، ومن ظن أنه قد علم فقد جهل ، وهذه العبارة منسوبة إلى الإمام الشافعي رحمه الله ، صاحب الإبداع فى علم أصول الفقه ( الرسالة ) ، فلم يكن ناقلا فقط ، بل أسس علما ، وأقام منهجا فى التفكير ، فعلم أصول الفقه ، هو عندى علم أصول التفكير المنضبط ، أي التفكير العلمي والمنهجي.
تعيش الجامعات فى بلادنا حالة كارثية ، فالناس يتعلمون فيها ما هو معلوم ، ويتخرجون منها وهم يحملون ما هو معروف حتى عند العامة من الناس ، فالفرق بينه وبين العامة ( الكمية ) وليس ( النوعية ) فالمعلومات التى يحملها فى رأسه أكثر ، ولكن نوعية المعلومات التى يحملها ليست أجود مما عندهم ، ولهذا فهم لا يرون فرقا دقيقا بينه وبينهم ، بينما المتخرج فى الجامعات فى الغرب يحاول أن يكون إضافة نوعية ، وليس فقط كمبيوتر لديه معلومات أكثر ، فالمعلومات اليوم مخزّنة فى الأجهزة ، والمخ يجب أن يتدرب على الإبداع ، والابتكار ، والإضافة ، والتجديد ، وليس فقط تكرار ما قاله الأوائل ، وحفظ ما قاله السابقون .
إن عظمة ( ابن خلدون ) ليست فى معلوماته ، بل فى منهجيته ، وابتكار منهج جديد فى التعامل مع التاريخ ، وإبداعه فى فن التعامل مع أفكار التاريخ ، وهو أول من عرف كيف تقوم دولة ؟ ولماذا ؟ وكيف تسقط دولة ؟ ولماذا ؟ وما هي منهجية التعامل مع التاريخ لفهم الأحداث ؟ فهو خالف ابن كثير والطبري وابن الأثير فى قراءتهم للتاريخ ، فهم نقلوا إلينا الأخبار بأمانة ، ولكنه وقف عند هذه الأخبار المنقولة إلينا ، واستخرج منها قواعد سننية فى فهم التاريخ ، ولم يسبق إليها أبدا .
إن المشكلة عندنا ما زالت فى النقل ، فقد توقف العقل المسلم عند هذا الحد ، ولهذا نمدح ابن خلدون ، ولا نضيف ، ونكتب منه ، وله ، ولا ننتقد أفكاره إلا قليلا ، فنحن نحسن التقليد ، ولا نتقن الإبداع ، وقد وجدت الأستاذ الجابري يقرأ ابن خلدون بروح العصر ، ولكن بمرجعية يسارية ، كما وجدت عماد الدين خليل يقرأ ابن خلدون ، ولكنه يحاول تجاوزه ، ويطرح قراءة جديدة للتاريخ ، وبمرجعية قرآنية غير مسبوقة ، أما غالب المثقفين الذين يقرؤون لابن خلدون رحمه الله ، ما زالت لديهم مشكلة ( التقليد ) قوية عندهم .
لدينا إضافات فكرية وفقهية ، ولكنهم قلة ، وقد يكونون منبوذين ،والسبب هو وجود عقلية ( الطاعة ) وندرة عقلية ( التساؤل ) ، والسبب هو النظام التعليمي المتهالك ، وليس لنا سبيل سوى تغيير تلك المنظومة ، فالصياغة العقلية مرتبطة بنوعية التعليم ، ونوعية التعليم مرتبطة بالفكر السائد فى الساحة ، ماذا نريد ؟ وما هي الحياة التى نصنعها ؟ وما هو الإنسان الذى يتخرج من مدرستنا ؟
لقد نجحت سنغافورة حين غيرت منهج التعليم ، ونجحت ماليزيا حين خططت فى تغيير منظومة التعليم ، وسبقت أمريكا روسيا حين راجعت النظام التعليمي فى البلاد ، وأصبحت فنلندا الدولة الاولى فى رعاية الناس تعليما وصحة حين قررت أن تكون الدولة الاولى فى التعليم ، ونجحت اليابان فى الصناعة والإدارة حين قررت أن تجعل معلم الحضانة والابتدائية لا يقل مكانة وراتبا من مدرس الجامعة ، وكل هذا جعل الحياة رائعة ، لأن التعليم وراء كل ذلك .
حين يكتب الباحث مقالا ، وينشر المقال فى المجلات ، ويحاول الطالب فى الإعدادية قراءته ، ويفهما بدون أدنى جهد ، فاعلم أن المقال ضعيف ، ولكن حين يكتب الباحث مقالا ، ويتم نشره فى مجلة علمية ، ونحاول أن نقرأ المقال ، ولكننا لا نفهم بسهولة ، حينها نعرف أن للمقال وزنا ، وقد قرأت قبل عشرين عاما ونيف مقالا كتبه الدكتور عبد الوهاب المسيري فى مجلة ( الإنسان ) عن الحضارة الغربية ، وقراته أكثر من مرة ، ولكننى كلما أعود إلى المقال أزداد فهما للغرب ، واقترابا من فكر المسيري ، ولهذا ، أقول : إن كتابة المقال ينم عن عمق ثقافة كاتبه ، وليس عن وفرة معلوماته فقط ، فالوفرة المعلوماتية مطلوبة ما لم تتحول إلى ذئب معلوماتي كما يقول المسيري رحمه الله ، ولكن أهم من ذلك هو قوة التحليل ، والتوصيف .
نحن نتعلم فى بلادنا لأجل التعلّم ، ويتعلم البعض منا ليخرج من طور ( الأمية ) أي ليحسن القراءة ، والناس فى البلاد المتقدمة يتعلمون لأجل صناعة النهضة ، ولصناعة الإضافة ، فلا إضافة بدون نقد ، ولا نقد بدون صناعة عقول كبيرة ، والصناعة عملية جبارة مرتبطة فى تحويل بوصلة التعليم من عالم ( التخزين ) إلى عالم ( المعرفة ) .
هناك أمور عدة فى صياغة الإنسان الذى يحب المعرفة ، ويكون صاحب إضافة جديدة ، فالمناخ السياسي مهم جدا ، ثم المناخ التربوي الذى من شأنه تشجيع العلم ، والفكر ، والإبداع ، فيأتي بعدهما المنهج التعليمي ، فكل هذه الأمور هي التى تصنع المستقبل .
فى الغرب أخطاء منهجية ، من هذه الأخطاء صناعة الموظف المطلوب ، وتأثير السوق على العلم والتعليم ، وتكوين الغباء فى بعض الأحيان ، ولكن هناك من يحرؤ أن ينتقد كل ذلك فى الساحات المختلفة ، ولكن المشكلة عندنا ، فالصمت هو سيد الموقف ، والتخزين هو الموضة العلمية ، والتخلف ما زال يتحكم فى حياتنا قرونا عديدة ، والجميع يعيش فى نعاس حضاري خطير .