شارك الخبر
دلتا برس/ خاص:
قال الخبير في الشأن السياسي المستشار أحمد عبدالله الوالي “إنه من أعظم النِّـعم في الدنيا الاجتماع البشري؛ الذي به تستقيم الحياة، وذلك أن الإنسان الواحد يكره الانفراد، ويكتمل كيانه بالاجتماع، لذلك لا يمكن أن يعيش منفردًا إلا من به مشكلة ذهنية، ومن هنا سعى الإنسان عبر العصور إلى تأسيس حياة اجتماعية، قائمة على التعاون والتبادل المنفعي؛ الذي يصب في مصلحة الفرد والجماعة، وكان على كل فرد أن يتقن عملاً ما يتميز به لخدمة المجتمع، وهكذا نشأت الحياة الحضارية، وعم الخير بين بيني البشر”.
وتابع المستشار الوالي حديثه أنه كان عليهم أن يتفقوا على أصول للحياة لا يمكن الخروج عنها، أو التنصل منها، إما بوحي سماوي، وإما بتواضع بشري؛ ناتجًا عن فطرة سليمة ومصلحة عامة، ثم إن عملية التكاثر البشري جعلت من هذه الأصول فروعًا تنبثق عنها وتتعدد منها، ولما صار عدد البشر كبيرًا جدا -عبر أزمنة مديدة- تنوعت الأصول وفروعها بتنوع البشر وميولاتهم واستقامتهم على الفطرة وانحرافهم عنها.
ومضى الخبير السياسي.. نتج عن ذلك شعوب وأمم عبر آلاف السنين، وكلما تمدد الزمن كلما تعددت الأصول والقيم بين الأمم والشعوب وتباينت، الأمر الذي يكسب الشعب المعين خصائص تختلف عن غيره، ولا يمكن أن يجمع عدة شعوب إلا دين سماوي يسلمون له ولأسسه وفروعه، أو سلطة حاكمة قاهرة، مشيرًا إلى أن الشعب العربي واحد من شعوب الأرض؛ الذي مر بمراحل عديدة جعلت منه شعبًا متميزًا بأصول وعادات وتقاليد متفق عليها، إلا أن حمية المحافظة على شرف الجنس القبلي حالت دون أن يُـسلُّـم هذا الشعب لقيادة واحدة تجعل منه دولة متماسكة تدين بالولاء للسلطة الحاكمة؛ التي تنتمي إلى قبيلة واحدة، ولم يكن ثَمَّـت قانون يكفل تقاسم السلطة بين القبائل، فما كان يستقيم له الأمر على الدوام تحت راية واحدة، حتى جاء الله تعالى بالإسلام العظيم، وفهَّـم الناس أن السلطة ليست شرفًا يتميز بها الحاكم على غيره، بل هي وسيلة لخدمة الشعب وتسهيل عملية إدارة شؤونه بسلام، وأدار هذه العملية مستعينًا بالكفاءات المختلفة من شتى القبائل.
وأوضح الوالي أنه كان كلما ضعف الوازع الديني، والشعور السليم بالمسؤولية ضعف السلطان، وأدى ذلك إلى تمرد هنا وهناك، وعلى ذلك الأمر سارت الحياة قرونًا طويلة، وعاش الإنسان بشتى سبل العيش الرغيد دهورًا طويلة.
وأشار المستشار الوالي إلى أنه عندما جاء العصر الحديث تشتت شمل العرب إلى دول كثيرة، وصاروا شعوبًا عديدة ينفصل بعضهم عن بعض في كل أشكال الحياة المدنية، ويتمثل ذلك من خلال اللهجة اللغوية حيث أن لكل شعب لهجة وصوت يميزه عن الشعب الآخر واستعمالات لغوية مختلفة، بالإضافة إلى العمارة وفنون البناء. وكذا اللباس الرسمي للرجال والنساء، والطعام وصنوفه، والزواج ومراسيمه.
وأكد الخبير الوالي أنه قد حدث نوع من التقارب بين بعض البلدان العربية وقامت وحدة بينهما سرعان ما فشلت وانهار الاتحاد، وأدى ذلك إلى خلل في مقومات الحياة الآمنة؛ مثال ذلك الوحدة بين مصر وسوريا.
وبيَّـن المستشار أحمد الوالي أن أعجب مثال ما حدث بين دولتي اليمنين الجنوبية والشمالية؛ إذ قامت الوحدة على أساس استحواذي مبطن بخطة استغلال وفرصة الانقضاض على مفاصل الحياة السياسية أولاً ثم العسكرية ثانيًا، وقد حدث ذلك فعلاً تلاه انقضاض على الحياة المدنية بكل طبقاتها حتى وصل الأمر إلى التحكم بالعواطف الشخصية والآمال المستقبلية، وذلك كله يعود إلى طبيعة الهدف من الوحدة، فلم يكن هدفًا دينيًا، ولم يكن وطنيًا، ولا حضاريًا، ولا اقتصاديًا، ولا هدفًا سياسيًا، بل كان هدفا عبثيًا ناتجًا عن نشوة أشخاص ولو من طرف واحد، كما أن طبيعة الثقافة الحاضرة لكل من الشعبين كانت ثقافة متمايزة في التفكير، والمذهب الديني، والعادات، وكذلك في اللباس، بالإضافة إلى سعة وضيق القيم والمبادئ، مضيفًا أن أرض الجنوب أكبر حجمًا وأكثر بالموارد الطبيعية، مع سكان أقل عددًا ويقدر عددهم بـ 10% من إجمالي سكان الدولتين مجتمعتين، بينما أرض الشمال صغيرة جدًا، ومواردها الطبيعية قليلة جدًا بالنسبة لموارد الجنوب.
وأردف الخبير في الشؤون السياسية أن الجنوب نزعته اشتراكية، حيث كان متحالفًا مع المعسكر الشرقي بقيادة روسيا، أما الشمال فنزعته رأس مالية متحالف مع المعسكر الغربي بقيادة أمريكا، والجنوب ولاؤه حزبي دستوري، والشمال ولاؤه قبلي أسري، والجنوب يتبع النظام الداخلي للحزب من خلال القاءات التشاورية للجنة المركزية والمكتب السياسي اللذان يضمان أعضاء حزبيين وصلوا إليهما بناء على انتخابات حزبية، وفي الشمال يعتمد النظام الديموقبلي وهو عبارة عن شكل ديمقراطي بمحتوى قبلي لا يسمح لغير أبناء القبيلة القوية بالوصول إلى سدة الحكم.
وأفاد المستشار أحمد الوالي أن الساحة الجنوبية تميَّـزت بكثرة مبتعثيها إلى الخارج وعودتهم لأخذ أماكنهم الوظيفية خدمة للشعب والبلد، عكس الشمال فالأمر مختلف جدًا وذلك لأن الوصول إلى الوظيفة قائم على المحسوبية وصلة القرابة أو الولاء القبلي فليس مهمًا أن يصل صاحب التخصص إلى تخصصه، وليس غريبًا أن يكون القائد برتبة رائد ومرافقه الشخصي برتبة عقيد أو عميد، موضحًا أن الجنوب اعتاد على حكم الحزب الواحد ومنع أي نشاط مسلح لأي فصيل أو قبيلة أو حركة، وعلى النقيض في الشمال والذي يوجد فيه شكل التعددية الحزبية التي تصب في مصلحة النظام الحاكم صاحب الحزب القوي، بالإضافة إلى النشاط القبلي المسلح الذي يحمي للقبيلة مصالحها الخاصة خارج حدود السلطة الحكومية، بالإضافة إلى وجود أحزاب تمتلك قوة عسكرية.
وبخصوص النشاط الثقافي العام لفت الوالي إلى أن في الجنوب نشط اتجاه واحد للثقافة هو الاتجاه الاشتراكية بدعم قوي من الدولة، ولم يكن يقابلها نشاط آخر، وفي الشمال يوجد تعدد ثقافي نتيجة تطلعات الحاكم إلى ضمان طول مدة بقائه، وذلك من خلال إيجاد مزيد من التفرغ والانشغال، ففي الشمال الاتجاه الديني بشقيه السني والزيدي ثم الشيعي، الاتجاه البعثي القومي، الاتجاه النصري، الاتجاه الاشتراكي وإن كان ضعيفًا، والاتجاه القبلي المحاط بالعادات والتقاليد.
وفيما يتعلق بالدولتين في البرنامج الثقافي الخاص قبل الوحدة أشار المستشار الوالي أنه في الجنوب ظلت المدارس تكرس تعزيز حب الوحدة واعتبارها الروح التي يقوم بها الوطن، وشاركها في ذلك النادي الصحفي ورجال الدولة على امتداد عمر الدولة، فتميز الجنوبي بحب الشمالي، ويجد المتابع أنه في الشمال استطاعت الحكومة أن تنتج فكر الكراهية الشديدة للجنوب باعتبار وجود الاشتراكية كنظام عام للبلد، فتميز الشمالي بكراهية الجنوبي.
وسلَّـط الخبير السياسي الضوء على مرحلة ما بعد الوحدة قائلاً “تم التنازل عن العاصمة عدن للعاصمة صنعاء، وتم تسليم كرسي الرئاسة للشمال ورئاسة مجلس النواب، وتم تحول رجالات دولة الجنوب للعيش في صنعاء، وزادت شدة حنق المجتمع الشمالي على الجنوبيين بسبب النظرة الدينية، وكان ليس من الغريب أن يتم اغتيالهم في صنعاء ورمي بيوتهم بالقنابل امام مرأى ومسمع من الدولة، وجود صعوبة في توحيد المناهج الدراسية لاختلاف رؤية النظامين، بروز إشكالية كبيرة في توحيد القطاع العسكري؛ لاختلاف عقيدة الجيشين العسكرية، والاختلاف الشديد في تقديم رؤية مشتركة لمستقبل الدولة الجديدة، وتنفيذ خطة إخراج الجنوبيين من السلطة المركزية من خلال تنظيم الحملة الانتخابية التي يشكل الشماليون النسبة السكانية الكبرى بالإضافة إلى ترتيب مسبق بهجرة أعداد كبيرة منه إلى الجنوب والدفع بهم للتصويت لصالح الشمال، بل وإدخال منتسبي القطاع العسكري في الانتخابات بعد صرف بطائق هوية مدنية لهم، أضف إلى ذلك دخول الطرفين في احتقان سياسي صاخب أدى إلى وساطة أردنية ثم نزاع عسكري انتهى بدخول القوات الشمالية عدن”.
وشرح المستشار أحمد الوالي ما آلت إليه الأوضاع بعد حرب صيف 1994م قائلاً “تسريح القوات العسكرية الجنوبية من قطاع الدفاع والأمن، وطرد كوادر السلك الدبلوماسي، وتفريغ الجنوب من الشركات والمصانع العاملة بعد نهب عدتها وممتلكاتها، وتأميم ممتلكات الكوادر الجنوبية، والعبث بمساحات وأراضي الدولة، والسيطرة الكلية على الابتعاث الأكاديمي، وإحداث فراغ في الجنوب من المخزونات الاستراتيجية، وإشعال فتيل النزاع الديني والحزبي في الجنوب، وفرض الشخصيات الجنوبية المنبوذة عبر التاريخ لتولي المناصب القيادية والتلاعب بمصير الجنوبيين، والسيطرة الكلية على منابع النفط والغاز والموانئ لصالح جهات أسرية شمالية موالية للنظام.
وبالنسبة لموقف الجنوبيين تجاه هذا التعطيل الكبير لحياتهم بعد الاجتياح أكد السياسي الوالي خروج عدد من الكوادر البارزة من البلد خشية الاغتيالات، وزيادة نسبة الاغتراب للبحث عن سبل للعيش الكريم، وتفشي حالة الرضى بالواقع ومعايشته أملاً في إظهار حسن النوايا بعدما أظهر الطرف الآخر شعار الوحدة مربوطًا بالدين والسنة النبوية.
وتحدث الوالي حول ظهور عواصف الإنكار بسبب عدم الرضى بالاستبداد الممنهج، والاستحواذ على كل جميل، وتنظيم ذلك الإنكار على شكل نضال سليم تكاتف فيه أبناء الداخل والخارج، ونشر عقيدة التمايز التي فرضت نفسها بعدم القدرة على التكيف بما يتم نشره من قبل القوات الغازية ومناهجها الثقافية، والدفاع عن العنصر الجنوبي أينما كان، وبروز شخصيات فذة لا تهاب الموت جمعت حولها النضال السلمي، ومواجهة القمع السلطوي المدعوم بالقوة العسكرية بالصدور الثابت والأجساد العارية، وشكَّـل ثبات الجنوبيين رمزية قوية ودفعة صاروخية للاحتذاء به في المناطق الشمالية.
ويتابع المستشار أحمد الوالي أنه وعند المرحلة الحاسمة من خلال دخول النظام المستبد في الشمال بمرحلة صراع بسبب نيته في توريث السلطة أدى ذلك إلى حنق القيادات المشاركة في الحكم، وتبعه ولوج الأطراف الحاكمة في الشمال بمرحلة صراع عسكري بالوكالة عبر عدو مصنوع، ثم تكاشف القيادات المتصارعة أمام الجمهور العام، ليبدأ احتدام الصراع الديني والمذهبي والحزبي في الشمال، مرورًا بانقسام الشارع إلى فريقين متناحرين نتج عنه نشوب حرب دموية في الشمال قادت إلى انقلاب عسكري، ليستغل الجنوبيون الوضع فينقضوا على معسكرات الشمال في محيط أرضهم، وتتدخل الدول المحيطة في حماية شعب الجنوبي من منطلق معرفتهم لما يعانيه ولتوافق المصالح المشتركة في نشر الأمن الإقليمي والذي لا يكون إلا بالاعتراف بالجنوب بلدًا مستقلاً وعاصمته عدن.
وأوضح خبير الشؤون السياسية أن المرحلة الانتقالية ظهر فيها المجلس الانتقالي كمكون توافقي رسمي وكذا فرض القضية الجنوبية في المحافل الدولية، بالإضافة إلى الاعتراف الإقليمي بعدالة القضية الجنوبية، وكذلك سيطرة الجنوبيين على أرضهم وامتلاكهم القدرة الكاملة على حمايتها، واحترام الجنوبيين للقانون الدولية في المحافظة على الأمن بشكل عام، وتوجه الجنوبيين إلى القانون الدولي لاستعادة دولتهم المنهوبة.