شارك الخبر
بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، برزت مبادرة دبلوماسية جديدة تتمثل في احتمال عقد قمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في المملكة العربية السعودية. جاءت هذه الخطوة في أعقاب مكالمة هاتفية مطوّلة بين الزعيمين، حيث ناقشا سُبل إنهاء الحرب الدائرة في أوكرانيا. وأشار ترامب إلى أنه يتوقع لقاء بوتين وجهًا لوجه في المملكة في المستقبل القريب لوضع حدٍّ لهذه الحرب “الدامية المروّعة”. وقد رحّبت الرياض بدورها بفكرة استضافة هذا الاجتماع التاريخي على أراضيها، مؤكدةً استعدادها لبذل كل جهد ممكن للمساعدة في تحقيق السلام بين روسيا وأوكرانيا. في هذا التحليل نستعرض خلفية هذا التطور، ودوافع كل طرف، وردود الفعل الإقليمية والدولية، إلى جانب التداعيات الجيوسياسية المحتملة لمثل هذا الاجتماع.
خلفية الصراع وسياق المبادرة
اندلعت الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022 بعد غزو روسي واسع النطاق، لترسم أسوأ نزاع تشهده أوروبا منذ عقود. على مدار السنوات الثلاث الماضية، سيطرت روسيا على أجزاء واسعة من الأراضي الأوكرانية، فيما تجد كييف نفسها في حرب استنزاف طويلة الأمد. ورغم تكبّد الطرفين خسائر فادحة، لا تزال مواقفهما متباعدة: تطالب موسكو بأن تتخلى أوكرانيا عن أجزاء من أراضيها وأن تلتزم بحياد دائم كجزء من أي اتفاق سلام، في حين تصرّ أوكرانيا على انسحاب القوات الروسية من جميع الأراضي المحتلة وتطمح للحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو ضمانات أمنية مكافئة تحول دون أي اعتداء روسي في المستقبل.
في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، تبنّى الغرب سياسة دعم أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا مع رفض أي تسوية تُفرض على كييف دون موافقتها. شعار تلك المرحلة كان “لا شيء يتعلق بأوكرانيا بدون أوكرانيا”. لكن بفوز دونالد ترامب بالرئاسة وتولّيه منصبه، أخذت السياسة الأمريكية منحى مختلفًا. فقد تعهّد ترامب مرارًا خلال حملته بإنهاء الحرب في أوكرانيا “بسرعة” وبشكل تفاوضي. وبالفعل، بادر فور توليه السلطة إلى التواصل المباشر مع بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر اتصالات هاتفية، مما أثار قلق حلفاء واشنطن الأوروبيين من إمكانية تهميشهم عن أي عملية سلام مقبلة. هذا التحوّل في المقاربة الأمريكية مهد الطريق أمام الإعلان عن اجتماع محتمل بين ترامب وبوتين على أرض محايدة بهدف التفاوض على إنهاء الصراع.
دوافع ترامب وأهدافه
يسعى الرئيس دونالد ترامب من خلال هذه المبادرة إلى تحقيق اختراق سريع في ملف الحرب الأوكرانية بما ينسجم مع تعهده الانتخابي بوضع حد للنزاع. لطالما صنّف ترامب نفسه كصانع صفقات بارع، ويرى في التفاوض المباشر مع بوتين فرصة لإبرام “صفقة” تنهي الحرب الدامية. ومن هذا المنطلق، اتفق ترامب مع بوتين خلال مكالمتهما الأخيرة على الشروع “فورًا” في مفاوضات لإنهاء الحرب، بل وألمح إلى استعداده لتقديم تنازلات صعبة لتحقيق السلام. على سبيل المثال، صرّح ترامب أن أوكرانيا ربما “لن تستعيد أراضيها” كاملةً في أي اتفاق قادم – وهو تصريح أثار عاصفة من الانتقادات في واشنطن وعواصم أوروبية. هذا التوجّه يدل على أن ترامب مستعد للضغط على كييف للقبول بتسوية تتضمن تنازلات إقليمية، إن كان ذلك ضروريًا لوقف القتال وإحلال السلام.
موقف بوتين وحسابات روسيا
بالنسبة لفلاديمير بوتين والقيادة الروسية، يمثل تغير الإدارة في واشنطن إلى عهد ترامب فرصة سانحة لإملاء شروط أكثر ملاءمة لموسكو في أي تسوية قادمة. أبدى الكرملين انفتاحًا ملحوظًا على مبادرة ترامب، إذ سارع المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إلى الإعلان أن بوتين وجّه دعوة لترامب ومسؤولي إدارته لزيارة موسكو لبحث الملف الأوكراني. هذه الدعوة تُظهر رغبة بوتين في ترسيخ قنوات التواصل مع البيت الأبيض الجديد واستعدادًا لإشراك الأمريكيين مباشرةً في المفاوضات. ومن منظور موسكو، الحوار المباشر مع واشنطن قد يكون أفضل سبيل لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في أوكرانيا.
ردود فعل الحلفاء والمجتمع الدولي
قوبل الإعلان عن تحرّك ترامب للتفاوض المباشر مع بوتين بحذر وترقب شديدين من قبل حلفاء الولايات المتحدة الغربيين. فعلى الجانب الأوروبي، هناك مخاوف واضحة من احتمال تقديم تنازلات روسية-أمريكية تمس بمصالح أوكرانيا أو الأمن الأوروبي الأوسع دون مشاركة فعالة من الأوروبيين. خلال مؤتمر ميونيخ للأمن الأخير، أكد القادة الأوروبيون على ثوابت موقفهم: لا سلام مستدام دون ضمان سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها.
التداعيات الجيوسياسية المحتملة
إذا ما عُقد اجتماع القمة بين ترامب وبوتين في الرياض، فإن نتائجه – سلبًا أو إيجابًا – ستترك بصمة واضحة على المشهد الجيوسياسي الدولي. فيما يلي أبرز السيناريوهات والتداعيات المحتملة:
إنهاء الحرب وتحقيق السلام: السيناريو المثالي هو أن ينجح الطرفان، بوساطة سعودية، في التوصل إلى اتفاق سلام شامل ينهي الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات.
تسوية على حساب أوكرانيا: هناك احتمال أن يُثمر اللقاء عن تسوية وسط لا تلبي كافة تطلعات أوكرانيا، كأن تُجمّد خطوط السيطرة الحالية وتحتفظ روسيا ببعض الأراضي التي استولت عليها.
اختبار للوحدة الغربية وحلف الناتو: طريقة إدارة واشنطن لهذه المبادرة ونتائجها ستؤثر بعمق على العلاقات عبر الأطلسي.
تعزيز دور الفاعلين الجدد في النظام الدولي: نجاح القمة المحتملة سيبرز السعودية كفاعل دبلوماسي عالمي من العيار الثقيل.
تداعيات على روسيا وعلاقاتها الدولية: إذا خرج بوتين من هذه العملية وقد حصل على بعض ما يريد، فسيعدّ ذلك انتصارًا سياسيًا يعزز شرعيته داخليًا بعد مغامرة الحرب المكلفة.
خاتمة
يُمثّل الاجتماع المرتقب بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في الرياض مقامرة دبلوماسية عالية الرهان قد تغيّر مسار الحرب في أوكرانيا. المؤكد أن طريق التوصل إلى السلام لن يكون سهلًا، فالتوفيق بين مطالب موسكو وكييف المتعارضة، وطمأنة الحلفاء الغربيين، وضمان مصداقية أي اتفاق واستمراريته، جميعها تحديات معقدة ستواجه هذا المسار. الأيام والأسابيع المقبلة حبلى بالاختبار التاريخي: هل يتمكن قادة العالم من انتهاز هذه الفرصة وصنع السلام، أم تضيع كسابقاتها ليبقى شبح الحرب مخيّمًا على أوروبا؟