شارك الخبر
خذ نفساً عميقاً واقرأ بهدوء ، هذا الطرح المتوازن لن تجده عند غيري ، و إذا كانت لديك قناعات مسبقة أو تبعية لأحد أطراف الصراع فلا داعي للمتابعة ، إذا كنت متجردا للحقيقة فتعال معي لمناقشة مقاربة سياسية استراتيجية خالية من العاطفة، ومبنية على مصلحة العالم العربي وشعوبه.
أولاً : هل إيران أو إسرائيل حقاً يخدمان مصالح العرب؟
والجواب : إسرائيل كيان استعماري توسعي، لا يعترف بالحقوق العربية لا في فلسطين ولا في غيرها ، و مشروعه مبني على نفي الآخر وتمزيق المنطقة وإبقاء العرب في حالة ضعف وتبعية مطلقة
و إيران دولة إقليمية ذات طموحات قومية ومذهبية تسعى لملء الفراغ العربي عبر التمدد في بلدان عربية مفككة و غالباً ما يكون من خلال تشكيل أذرع مسلحة خارج إطار الدولة تخلق واقعاً سياسياً تابعاً لها.
إذن كلا الطرفين أنهكا العمق العربي لكن لأهداف ومناهج مختلفة ،
فإسرائيل تضرب من الخارج و تدعم التفكك، وتحاصر وتستوطن وتحتل.
و إيران تخترق من الداخل و توظّف الانقسامات، وتبني نفوذاً عبر ميليشيات وعقائد وهوية طائفية .
ثانياً : من الأفضل للعرب أن يهيمن؟
الاختيار بين إيران وإسرائيل يشبه اختيار السمّ البطيء أو السريع ، لا أحد منهما أفضل للعرب، لأن كليهما ينظران إلى العرب كبيئة للنفوذ والهيمنة لا كشركاء.
فهيمنة إسرائيل تعني ترسيخ الاحتلال وتوسيع التطبيع مقابل لا شيء فضلاً عن تصفية القضية الفلسطينية وإبقاء العرب في تبعية أمنية وتقنية وعسكرية للغرب وسيطرة اقتصادية ونهب ثروات بلا قيود
و هيمنة إيران يعني تعميق الطائفية و استمرار الميليشيات وتكريس الدول الضعيفة التابعة لها سياسياً ومذهبياً
طيب يا زول : ما العمل؟ هل هناك خيار ثالث؟
نعم ، الخيار الثالث والوحيد الممكن والواقعي هو استعادة القوة العربية الذاتية وليس الانحياز لهذا الطرف أو ذاك من خلال بناء مشروع عربي مستقل لا يستند إلى الانقسام المذهبي أو الرهانات الإقليمية و يخلق محوراً عربياً له موقف موحّد و تحصين الداخل العربي و دعم الدولة الوطنية، وحظر دعم الميليشيات والتمزيق الاحتلالات ودعم إصلاحات سياسية واقتصادية تمنع الاختراقات من الداخل ،
ولكن مرة أخرى : هل بناء قوة عربية أمر واقعي، أم مجرد أمنية في زمن الهيمنة والتفكك؟ وإذا لم يكن واقعياً فما البديل؟!
الجواب ليس أبيض أو أسود ، نعم، المشروع العربي الشامل كما كنا نتخيله كقوميين في القرن الماضي يبدو اليوم بعيدًا ولكن إعادة ترتيب أوراق النفوذ العربي إقليميًا أمر واقعي إذا بدأ من تحالفات جزئية فاعلة لا من مشروع عملاق وشامل دفعة واحدة فالأنظمة العربية تمتلك أدوات فعل مؤثرة إن خرجت من حالة التردد الاستراتيجي،
كما أن لحظة الاشتباك الإيراني-الإسرائيلي تفتح هامشاً ذهبياً للعرب إن أحسنوا استخدامه، تماماً كما استفاد غيرهم من التنافس الأميركي-السوفيتي سابقاً
و إذا كان بناء “قوة عربية متكاملة” غير ممكن كلياً في المدى القريب فالبديل هو نهج “التحصين الذكي والموازنة الاستراتيجية ” و رفض أن تكون الدول العربية ساحات لحروب الوكالة سواء الإيرانية أو الإسرائيلية.
ثم إن الاشتباك الحالي و المخاوف من نتائج الحرب القائمة تهيء أرضية مناسبة لبناء محور عربي قائم على المصلحة لا العاطفة يشبه الناتو العربي المرن أو تحالفات شرق آسيا و ليس بالضرورة أن يكون موجهاً مباشرة في هذه الظروف ضد إيران أو إسرائيل بل ضد الانهيار الذاتي العربي بدرجة أولى .
و يستطيع العرب أن ينتهجوا نهج الموازنة لا التماهي و أن يتعاملوا مع كل الأطراف (إيران، تركيا، أمريكا، أميركا، روسيا…) بمبدأ المصالح لا الولاء كما تفعل الهند أو الصين.
و الجامعة العربية رغم ضعفها لا تزال الإطار الرمزي والسياسي الوحيد الجامع، ويمكن لها أن تضع خطوطاً حمراء ضد التطبيع خارج الإجماع العربي و أن تقود حوارًا عربياً – عربياً لمعالجة الصراعات في الدول الأعضاء ، و حواراً عربيا – إيرانياً وعربيًا–دوليًا حول ضمان الاستقرار.
و ضرورة “ فك الاشتباك ” مع مشاريع الآخرين فلا يجوز للعرب أن يُختزلوا في دور “وقود صراع” بين إسرائيل وإيران.
وقصارى القول :
لا إيران ولا إسرائيل حليف طبيعي للعرب ، كلاهما له أطماع بأشكال مختلفة و الخيار العربي الوحيد: بناء توازن ردع عربي، لا انتظار منّة من قوى تتربص بنا.
إن التمني بهيمنة أي طرف منهما خطأ استراتيجي، بل الواجب أن نعمل على أن لا يهيمن أيٌّ منهما، أو أن يتصارعا فقط بما يخدم ردع بعضهما بعضاً ، ويمنح العرب هامشاً لإعادة بناء موقعهم واستقلالهم.
د/تاج السر عثمان