شارك الخبر
قبل السفر بيوم واحد، تعطّل هاتفي المحمول، فانقطعت الاتصالات بيني وبين الآخرين، وفي هذا الوقت الحرج استعنت بصديق لإبلاغ أهلي ومن يهمني أمرهم. كان هذا الحادث غير المتوقع سببًا في توتري، مما منع النوم عن عيني حتى اقتراب الفجر.
في يوم ٢٤ يونيو ٢٠٢٥م، انطلقت من القاهرة إلى ديترويت في الولايات المتحدة الأمريكية عبر الخطوط الملكية المغربية. خرجت من المنزل متأخرًا عن موعد الرحلة، وطلبت من السائق أن يقود بسرعة وسط زحام السيارات، لكن تجاوز السيارات المتقدمة في طابور المطار كان شبه مستحيل. ازداد توتري حتى وصلنا إلى المطار متأخرين بساعة. ولحسن الحظ، ساعدني أحد العاملين في تسريع الإجراءات، فتنفست الصعداء حين لحقت بالطائرة.
الإجراءات في المطارات
عادةً ما تكون هذه الإجراءات هي الهم الأول لكل مسافر، ويجب معرفتها مسبقًا لتجنّب التأخير أو الوقوع في المحظور. ومن أبرزها:
مرحلة التفتيش الأولي: التأكد من وجود جواز السفر وتذكرة الطيران، وفحص المسافر والحقائب للتأكد من خلوّها من المواد المحظورة.
التوجه إلى مكتب شركة الطيران: لمراجعة التذكرة، ووزن الحقائب (بحيث لا تتجاوز الحد المسموح)، ويتم تسليمها وتسجيلها برقم خاص، كما يُسمح للمسافر بحقيبة يد لا تتجاوز ٧ كجم. ثم تُسلّم له بطاقة الصعود للطائرة.
مرحلة التفتيش الدقيق: يتعين على المسافر وضع حزامه وأحذيته وأغراضه في وعاء بلاستيكي للفحص، ثم المرور عبر البوابة الإلكترونية، وقد يُخضع لتفتيش يدوي دقيق.
قسم الجوازات: حيث تُؤخذ صورة للمسافر، وتُفحص وثائقه، وتُطرح عليه بعض الأسئلة من قِبل ضباط الهجرة، ثم يُختم الجواز بختم المغادرة أو الوصول.
البحث عن بوابة الانتظار: لأن المطارات طويلة ومزدحمة، قد يشعر المسافر بالتوتر أو يضل طريقه، مما قد يؤدي إلى التأخير عن موعد الإقلاع.
مرحلة الصعود إلى الطائرة: يُتحقق من بطاقة الصعود، والتي تحتوي على اسم شركة الطيران، ورقم الرحلة، وتاريخها، وموعدي الإقلاع والهبوط، ورقم المقعد.
الرحلة الأولى
بدأت الرحلة من مطار القاهرة الدولي إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحًا. أثناء الصعود إلى الطائرة، رأيت سيدة مسنّة بالكاد تستطيع المشي وتحمل حقيبة ثقيلة، فسارعت لمساعدتها، وضعت يدها على كتفي وحملت حقيبتها رغم أنني كنت متعبًا، لكنها شكرتني كثيرًا وشعرت بسعادة غامرة لهذه المبادرة.
كانت الطائرة متوسطة الحجم وتضم حوالي ٢٠٠ راكب. لم تكن من الطائرات الحديثة، إذ لم تتوفر شاشات لكل مسافر. الرحلة لم تكن مريحة، خاصةً مع وجود أربعة أطفال خلفي في حالة شجار وصراخ مستمر، دون تدخل فعّال من ذويهم. لكن الحق يُقال، كانت الخدمة جيدة والوجبة مناسبة.
استمرت الرحلة حوالي ست ساعات، قطعنا خلالها نحو ٣١٠٠ كيلومتر، معظمها فوق البحر الأبيض المتوسط.
الرحلة الثانية
من مطار محمد الخامس في الدار البيضاء إلى مطار جون إف كينيدي في نيويورك، واستغرقت الرحلة حوالي ثماني ساعات، قُطع خلالها نحو ٥٨٠١ كيلومتر، بسرعة بلغت ٨٣٦ كم/س، وعلى ارتفاع ما بين ١٢٠٠٠ و١٣٠٠٠ متر (حوالي ٤٠ ألف قدم).
كانت الطائرة أكبر وأكثر حداثة، وعدد الركاب تجاوز ٣٠٠. عبرنا المحيط الأطلسي من شرق المغرب إلى غرب الولايات المتحدة. طوال الرحلة، لم نرَ سوى السماء الزرقاء، وأجنحة الطائرة، وأحيانًا غيومًا بيضاء تغطي سطح المحيط، مع صوت المحركات، وحركة طاقم الضيافة بابتسامتهم المدربة، وهم يقدمون الخدمات.
المسافرون كانوا بين نائم، أو متابع للترفيه عبر الشاشات، أو قارئ لهاتفه. وُزعت علينا السماعات، وجوارب، وأغطية للعين، وبطانيات صغيرة للحماية من برد الطائرة.
لم تغب الشمس عنا في هذه الرحلة تقريبًا لمدة ٢٢ ساعة، فقد كنا نسير في اتجاهها.
الرحلة الثالثة
من نيويورك إلى ديترويت، وهي رحلة داخلية، خضعت بعدها لإجراءات التفتيش مجددًا، واستلام الأمتعة من الخطوط السابقة وتسليمها إلى شركة JetBlue. كان عليّ التوجه إلى مكتب آخر للحصول على بطاقة الصعود الجديدة، والقيام بالتفتيش مجددًا، ثم التوجه إلى بوابة الرحلة. مطار نيويورك كبير ومعقد ومزدحم، ويحتاج المسافر إلى الحذر الشديد من ضياع الوقت.
لاحظت أن معظم العاملين في المطار من أصحاب البشرة السمراء. بعد دخول الطائرة، تأخر الإقلاع قليلًا بسبب تزويد الطائرة بالوقود وتحميل الحقائب، ورغم ذلك وصلنا إلى ديترويت في الوقت المحدد.
في الرحلات الداخلية، تكون الطائرات أصغر، والرحلات أقصر، ولا تُقدم فيها وجبات طعام، بل يُكتفى بالماء وبعض الشوكولاتة. أما في الرحلتين السابقتين، فقد قُدمت لنا ثلاث وجبات صحية ومشبعة، مع المشروبات حسب الطلب.
استغرقت الرحلة الأخيرة ثلاث ساعات، قطعنا خلالها ٨٠٦ كيلومتر، مررنا خلالها فوق البحيرة الكبرى، وخاصة بحيرة إيري. وصلنا بعدها إلى مطار ديترويت، ومنه إلى بيتنا في مدينة ديربورن هيت.
الخلاصة
كانت الرحلة طويلة ومرهقة، قلّ فيها النوم، وبلغ التعب مداه مع القلق من التأخير. استغرقت الرحلة ٢٦ ساعة منذ مغادرتي شقتي في القاهرة وحتى وصولي إلى منزلي في ديربورن هيت، مشغولًا بالسماء والماء، قاطعًا مسافة ٩٣٢٠ كيلومتر جوًا خلال ١٦ ساعة طيران، ومتنقلًا عبر أربعة مطارات، منها اثنان في نيويورك. أمضينا ١٠ ساعات إضافية في المطارات، ومع كل ذلك، تبقى الرحلة مصدر سعادة وتعلُّم لي، فأنا من عشاق الترحال.
صالح سعيد يحيى المفلحي
وندزور – كندا
٣٠ يونيو ٢٠٢٥م