شارك الخبر
صالح سعيد يحيى المفلحي
في أحد أحياء تورونتو الهادئة، تعيش سيدة كندية تُربي طفلين من أبوين مختلفين، وتقيم مع شريك ثالث لا يمتّ بصلة قرابة لهما، لكنه يُعامل الأطفال بلطف واحترام. هذا المشهد لم يعد استثناءً في كندا، بل أصبح انعكاسًا لنمط اجتماعي جديد يتّسم بتفكك الروابط الأسرية، وتزايد معدلات الطلاق، وتبدل الشركاء.
في هذا السياق، لم يعد غريبًا أن ينشأ الطفل مع أمّه فقط، بينما يتغير الشريك الذي يعيش معها أكثر من مرة. فقد يولد من علاقة عابرة أو زواج قصير ينتهي سريعًا، ليبدأ فصل جديد مع شريك بديل يؤدي دور “الأب المؤقت”… إلى أن ينتهي هذا الدور أيضًا، ويُعاد السيناريو من جديد.
القانون الكندي يُعطي الأولوية لمصلحة الطفل، فيُمنح أحد الأبوين حق الحضانة بناء على ظروف كل حالة، وتُفرض نفقة مالية إذا اقتضت الحاجة، بحسب الدخل والوضع المالي. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تكفي هذه القوانين لضمان بيئة أسرية مستقرة؟
الواقع يجيب بالنفي، في المعادلة القانونية، مهما بلغت عدالتها، لا تُعوّض غياب الشعور بالأمان أو دفء الأسرة المستقرة.
ينص القانون أيضًا على تقسيم الممتلكات بين الزوجين بالتساوي بعد الطلاق، دون النظر إلى من يملكها رسميًا، ما يدفع بعض الشباب للعزوف عن الزواج. ويفضل كثيرون “العلاقة الحرة” دون التزام قانوني، خشية أن يخسر أحدهم نصف ما يملك. ولعل هذا ما عبّرت عنه جارتنا الكندية، فتاة في الثانية والعشرين من عمرها، رقيقة الملامح ووديعة الحديث. كانت لها تجارب متعددة مع شركاء مختلفين، وأصبحت أمًا لطفلين خارج إطار الزواج. سألتها مرة: لماذا لا تتزوجين؟
قالت: “أخاف أن يتقاسم بيتي الذي ورثته عن أبي.”
هكذا يتردد كثير من الكنديين في الزواج، ويفضلون الارتباط بعد معاشرة طويلة، وغالبًا ما يتأخرون في اتخاذ هذه الخطوة إلى ما بعد سن الثلاثين.
وفي المدرسة، يتعلم الطفل الكندي أنه حر في اختياراته، بما في ذلك تحديد هويته الجنسية. فإذا عبّر عن رغبة في تغيير نوعه، تُشجعه المدرسة، ويمنحه القانون الحماية. أما الوالدان، فقد تُنتزع منهما السلطة إذا عارضا أو تدخلا. وتُطالب المدارس الأطفال بالإبلاغ عن أي عنف أو إساءة، ما قد يؤدي إلى تدخل الشرطة أو الجهات المختصة.
وعندما يبلغ الطفل سن 18 عامًا، يصبح حرًا في ترك المنزل، والارتباط بأي شريك يختاره، دون حاجة إلى إذن أو موافقة الأهل.
كل هذا يخلق بيئة يفتقر فيها الطفل إلى مرجعية ثابتة ونموذج تربوي واضح. في مراحل الطفولة المبكرة، حيث تتكوّن مشاعر الأمان والانتماء، تكون الهشاشة العاطفية سيدة الموقف.
صحيح أن جميع الأطفال المولودين في كندا، باستثناء أبناء الدبلوماسيين، يحصلون على الجنسية تلقائيًا، ويستفيدون من خدمات التعليم والرعاية الصحية والدعم المالي. لكن ذلك لا يمنع ظهور مشكلات أعمق: فجوات في التربية، ضعف في الروابط الأسرية، وضياع في الهوية، لا تعالجها القوانين، ولا تعوّضها الامتيازات.
وفي حال ظهور مشكلات أسرية، تتدخل مؤسسات الدولة، وقد تُسحب الحضانة من الوالدين، ويُسلَّم الطفل إلى أسرة بديلة تتولى تربيته.
أما الوافدون الجدد، فكثيرًا ما يُبهرهم في البداية ما يرونه من عدالة وحقوق، قبل أن يصطدموا بواقع مختلف يصعب التكيف معه، ويُحدث اضطرابات نفسية وتحديات تربوية، قد تقود بدورها إلى تفكك الأسرة.
فهل يمكن فعلاً الحديث عن استقرار أسري في ظل علاقات مفتوحة ومتحركة؟ وهل تكفي القوانين وحدها حين يغيب الوعي بالمسؤولية، وعمق الارتباط الإنساني؟
هذا هو الوجه الآخر للحياة في كندا: قانونٌ عادل… وواقع لا يرحم.