شارك الخبر
–
سلوك القائد وقدراته تنعكس على مرؤوسيه، وهي مقولة لم تأتِ من فراغ، بل من تجارب ميدانية ووقائع حية تؤكد أن القيادة موهبة وفطرة لا يتقنها كل من ارتدى الزي العسكري أو تقلد منصبًا. ومن بين أولئك القادة الذين تجلت فيهم صفات القيادة الأصيلة، أذكر العميد أكرم محمد الحنشي، قائد اللواء الثالث مشاة، حين تموضع لواؤه في حبيل برق، وتحول إلى نموذج يُحتذى به في الانضباط والاحترام والتعامل الراقي مع المواطن والمنتسب.
من خلال تجربتي ومتابعتي عن قرب، لمستُ في هذا القائد عقلانية في إدارة الأمور، وصرامة في المواقف، ورقيًا في المعاملة. لم يكن صوته مرتفعًا بقدر ما كان قراره حاضرًا. ولهذا حاز احترام الناس، وكسب قلوب جنوده، وتجلّى أثر قيادته في سلوكهم. لقد أصبح اللواء الثالث مشاة، تحت قيادته، من أفضل الألوية انضباطًا وتعاملاً، سواءً داخل أسوار المعسكر أو في محيطه المدني.
وما يُحسب له ولفريقه القيادي، أنهم لم ينشغلوا بغير البناء والتطوير رغم قلة الإمكانيات، بل سخّروها في إنشاء منشآت إدارية وسكنية، وتخطيط المعسكر، وتشجير مساحاته، وبناء ملاعب لكرة القدم والسلة، حتى بدا المعسكر وكأنه مدينة منظمة في قلب برق
لكن الأعجوبة التي تستحق التوقف عندها كانت في العر، أعلى قمة في يافع، على ارتفاع 2240 مترًا عن سطح البحر، حين راهن القائد على إمكانية حفر بئر ارتوازية بعمق 400 متر. كثيرون ظنّوا أنها مجازفة خاسرة، لكن الإصرار وروح القائد المتوثبة حوّلت الحلم إلى إنجاز، والبئر إلى مصدر ماء عذب يكفي المعسكر. لم يكن هذا مجرد حفر، بل قرار قيادي مبني على حدس وإدراك نادرين.
وما يُعزز صورة هذا اللواء قيادةً وأفرادًا، هو الانضباط المطلق في التعامل مع المواطنين. فلم تسجّل خلال فترة تمركز اللواء أي إساءة أو تجاوز، ما جعل له حاضنة شعبية واسعة تحترمه وتقدّره. وحتى عند صدور قرار بنقل اللواء من مقره، لم يتردد قائده ولا أركاناته ولا ضباط كتائبه – وعلى رأسهم الأركان الصلب نبيل – في تنفيذ التوجيهات بروح وطنية عالية، دون تذمر أو مماطلة، وهو ما يؤكد أن هذا اللواء تربّى على الانضباط لا على التمترس خلف الجغرافيا.
وحين نرى مثل هذا النموذج من الجندية النظيفة والقيادة البناءة، نشعر كمواطنين بالطمأنينة أن الجنوب يمضي على الطريق الصحيح، وأن مؤسساتنا العسكرية ما زالت تضم بين صفوفها رجالاً من طراز خاص، ورؤية راسخة في بناء الإنسان والمؤسسة معًا.
ومن هذا المنطلق، فإنني أرى من الضروري أن يطّلع جيل اليوم من القادة والضباط على تاريخ الجيش الجنوبي الباسل، فهو لم يكن مجرد مؤسسة عسكرية، بل مدرسة للوطنية والولاء والبطولة. ومن قادته الذين يجب أن يُذكروا وعلى سبيل المثال بكل فخر واعتزاز
علي عنتر، بن حسينون، اللواء قاسم عبدالرب، اللواء حسين الجرادي، أمزربة، اللواء أحمد سيف، مسدوس، قطن، امجلد، الشهيد شلال، د. ثابت عبد، فرج البحسني، عليوه، فيصل رجب، محسن علي صالح المرقشي، محمود الصبيحي، بدر السنيدي، أبو شامة، حسن حيدرة… وغيرهم من القادة الميامين الذين لا تُعد بطولاتهم، وتغمرنا الحسرة على من رحل منهم، فيما نرجو ممن بقي على قيد الحياة أن يوثقوا تجاربهم لتكون دروسًا للأجيال.
بقلم: المواطن هاني بر أحمد
2025م