شارك الخبر
تجربة الشراكة بين الجنوب والشمال، بصيغتها الحالية، أثبتتْ أنها مجرد تأسيس لمزيد من الصرعات والحروب والدماء وإنتاج مزيد من الفشل والانهيار والفقر والجوع.. حكومة المناصفة شُلّت مبكراً، ومجلس القيادة غرق في تناقضاته حتى غدا عبئاً على جغرافيا محررة.
كل مؤشرات الأداء، سياسيا وعسكريا وخدميا، تقول إن مثل هذه الصيغة لن تفضي إلى استقرار ولا إلى اتفاق وتوافق، بل تفتح أبواباً لحروب جديدة قد لا يقوى التحالف على احتوائها أو إخضاع أطرافها كما يفعل الآن.
المشكلة في جوهرها هي أن أي شراكة داخل كيان واحد تجمع الجنوب بالشمال تتحول حتما إلى علاقة غير متكافئة وغير منصفة، طرف فاعل قادر على تغيير المعادلة ويمتلك القرار والقوة، وطرف آخر هشّ بلا قرار بلا حاضنة يعيش عالة على الآخرين، ويحوّل الشراكة إلى منطلق للتآمر.. هذه الحقائق أثبتت أن “الكيان الواحد” سيبقى معسكرا منقسم الولاءات، يزرع بذور لحروب داخلية بدلا من أن يحرر أرضا يغتصبها الحوثي.
الجنوب دفع الثمن الأكبر، فكل ما تحقق من انتصارات عسكرية، وإعادة بناء، وفرض للأمن، منذ العام 2015م حتى اللحظة، تم تعطيله وتشويهه وتحقيره بمجرد ربطه بشريك عاجز. التحالف بدلاً من أن يحوّل الجنوب إلى نقطة ارتكاز لتأمين المنطقة، جعله رهينة شراكة عرجاء عوجاء تستنزف طاقاته.. الواقع يؤكد كل يوم أن الجنوب والجنوبيين صنعوا من أنفسهم وأرضهم قوةً منظمةً قادرة على البقاء والمضي نحو المستقبل وبناء علاقات مع كل دول الجوار، بينما الشمال ما يزال غارقاً في صراع داخلي ومشاريع هيمنة بائسة.
الحل اليوم ليس في ترقيع الصيغ القائمة ولا في وهم “المجلس الواحد” أو “الحكومة المشتركة”، الحل يكمن في الاعتراف بواقعين مختلفين، جنوب مستقل يدير شؤونه من عاصمته عدن، وشمال يعمل من مقره في مأرب أو تعز، كيانان منفصلان يتعاونان وفق رؤية واضحة لتحرير بقية المناطق وإنهاء الحوثي، كلٌّ من موقع قوته وقدرته، لا من موقع التبعية ولا من أرض الغير.
الجنوب، ممثلاً بالانتقالي، قدم نموذجا عملياً على جدية الشراكة وحماية حتى المسؤولين الشماليين في عدن، بينما لو كان العكس لكان مصير الجنوبيين في أرض شمالية هو الامتهان والتحقير وربما التصفية وهذه المفارقة تختصر معادلة أن هناك طرف مسؤول وفاعل وجاد، وآخر مفكك وعاجز ومتآمر.
لم يعد أمام الأشقاء في دول التحالف إلا أن يعترفوا بهذا الواقع ويتعاملوا بجدية ومسؤولية وأخلاق مع هذه الحقائق لا مع أوهام الوحدة الفاشلة.. الجنوب اليوم شريك قادر على تأمين الممرات البحرية ومحاربة الإرهاب وفي طليعته الحوثي، لكن استمرار رهنه لشراكة عمياء وشركاء متآمرين وخونة لن يجلب سوى المزيد من الويلات والصراعات التي، لا محالة، سيصل الأشقاء حرها وشررها.
#وهيب_الحاجب