شارك الخبر
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وفي إطار المنح المقدمة من الاتحاد السوفيتي، حصل الدولة في الجنوب على طائرة النقل العسكري من نوع “أنتينوف”. لم تكن تلك الطائرة مجرد آلة حديدية تطير في السماء، بل كانت شريان حياة، نقل آلاف الجنود والضباط والقيادات العسكرية عبر ربوع الجنوب، وكانت جسراً إنسانياً يربط أبناء جزيرة سقطرى ببقية أرض الوطن، دون مقابل.
جاءت حرب 94 لتقلب الموازين، فلم تَسْلَمْ “الأنتينوف” من بطش المنتصر. وقعت في الأسر، بيد محمد صالح الأحمر، الذي نقلها إلى صنعاء، متجاهلاً بنود اتفاقية المنحة السوفيتية التي تُخَصِّصُ الطائرة للنقل العسكري فحسب.
لكن ” الأحمر العين ” وبتَفْكِيرِهِمِ الـمُغايِر، رأوا فيها غنيمة حرب، وأنَّ لهم الحق في التصرف بممتلكات الجنوب كما يشاءون.
وبجرأة لامثيل لها، شرعوا في “اغتيال” هويتها؛ فقشطوا هيكلها، وغيّروا لونها من العسكري إلى المدني، وسجلوها ضمن أسطول الخطوط اليمنية، واثقين بأن أحداً لن يتساءل عن أصل هذه الطائرة، لا داخل اليمن ولا خارجها.
وهكذا، تحولت بطلة السماء إلى “شاحنة للخضرة والعلف ” تجوب القارات، تنقل بضائع وحمولات من أفريقيا إلى لبنان، في دوامة من الأعمال غير المشروعة، تدرّ أرباحاً طائلة على من استولوا عليها بغير حق، وكأن الأمر ضربٌ من أحلام “علي بابا” في عصر الطائرات!
لكن عيون المخابرات العسكرية الروسية لم تغفل. لاحظت أن طائرة عسكرية سوفيتية قد “اختفَت” وحلّت محلها طائرة مدنية غريبة الأطوار. لم يرق لهم هذا التلاعب، فدبّروا خطة محكمة لاستردادها.
جندوا تاجر خضار لبنانياً مقيماً في السنغال، ليقدم إلى صنعاء ويتفاوض مع “اللّص الأصلع” – محمد صالح الأحمر – على استئجار الطائرة. وُقّع العقد، ودفع نصف المقدّم، وانطلقت الطائرة إلى أفريقيا.
في رحلتها الأولى، حملت بذور أشجار من كينيا إلى أوزبكستان. لكنها هذه المرة لم تكن متجهة إلى سوق تجاري، بل إلى فخّ محكم.
في مطار أوزبكستان، كانت المخابرات الروسية في انتظارها. وبمجرد هبوطها، تم تطويقها، ومصادرتها، وإعادتها إلى أحضان الدولة الأم، حاملة معها وثائقها التي تثبت أنها منحة عسكرية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وليست سلعة في سوق النهب.
هذه ليست مجرد قصة طائرة سُرقت ثم استُعيدت. إنها قصة بلد سُلب، وكرامة انتهكت، وعدوان مُمنهج على تاريخ وشعب.
إن “وقاحة آل الأحمر” التي تجرأت على تزوير هوية طائرة كاملة أمام العالم، هي نفسها الوقاحة التي تمارس يومياً ضد شعب وأرضه ومقدراته.
فإذا كانت دولة القانون والمؤسسات تسمح بتحويل طائرة حربية إلى “بغلة ” لتهريب البضائع، وإذا كان بإمكان عصابة أن تسطو على إرث أمة كاملة دون رادع، فأي واق واق هذه التي نحيا فيها غير “واق الواق اليمنية” التي لا يعرف فيها الحق من الباطل، ولا يفرق فيها اللص عن الحاكم؟
لقد كشفت “ليلة قبض على الأنْتينوف” أن نهب مقدرات الجنوب لم يكن خطأً عابراً، بل كان سياسة ممنهجة، لكن الأهم من ذلك كله، أنها أثبتت أن الحق – ولو بعد حين – لابد عائد إلى أهله، وأن كل غاصب، مهما علت رايته، فإن نهايته ستكون عند أول مطار للحقيقة والعدالة.
حسين البركاني