شارك الخبر
فهمي أحمد السنيدي
كنتُ حاضرًا في احتفالية اليوم التي أُقيمت على رأس جبل حَكولة، البالغ ارتفاعه نحو كيلومترٍ ونيف، وتصل إلى قمته طريقٌ ترابية ضيقة لا تتسع إلا لمرور سيارة واحدة، مع وجود عملية تفتيش دقيقة عن السلاح، مما تسبب في بطء حركة الوفود المشاركة التي وصلت إلى ساحة الاحتفال من مناطق ومحافظات مختلفة.
كان الحضور كبيرًا جدًا، ولا أقول إنه جاء بتأثيرٍ من القيادة، بل أجزم بأنه جاء من تَشبُّث هذا الشعب العظيم بعدالة قضيته السياسية، وإصراره القوي على انتزاع حريته واستقلاله، مستلهمًا ذلك من وحي المناسبة نفسها — ثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة — رغم المعاناة التي لا تخفى على أحد.
وأنت تنظر في كثافة الحشد، فإن أول ما يخطر ببالك ويتبادر إلى ذهنك مباشرةً هذا السؤال:
كيف لشعبٍ يعيش بلا راتبٍ لأربعة أشهر متتالية، وسط غيابٍ شبه تامٍّ للخدمات، وسياساتٍ حكوميةٍ متخبطة، وتجاوزاتٍ قانونية، وفسادٍ مالي وإداري يغطي عين الشمس — أن يتجاوز كل ذلك ويضعه خلف ظهره، في هذا اليوم على الأقل، ليُؤْثر الاحتفال والتعبير عن أهدافه وتطلعاته الوطنية العليا، صامًّا أذنيه عن أصوات التثبيط والمتاجرين بالمعاناة، قائلًا كلمته بوضوح:
مهما بلغت شدة الألم، وعمق الجراح، فلن يثنينا ذلك عن تحقيق هدفنا العظيم في استعادة الدولة، ولن يُنسينا نهر الدماء الزكية التي سالت لأجل هذا الهدف ذاته.
يالَه من شعبٍ عظيمٍ، ظنَّ بعض المراهنين على كسر إرادته أن “حرب الخدمات” ستُنسيه مطالبه التحررية، لكنه — وكعادته دائمًا — خرج خلف قيادته السياسية ليلجم تلك الأفواه، ويبرهن لتلك العقول العتيقة أنه يمتلك من الوعي ما يجعله محصنًا ضد هذه الفيروسات، قادرًا على مقاومتها.
وهو يثبت كل يوم، وفي كل مناسبة، أنه صاحب عزيمة لا تلين، وإرادة لا تُقهر، وأن أي محاولةٍ تهدف إلى إثنائه عن أهدافه وتطلعاته الكبرى ستبوء بالفشل.
ومن المؤسف حقًا أن نرى بعض العقول التي كنا نراهن على دورها التنويري في قيادة عملية إصلاحٍ شاملة، قد انزلقت إلى مهاوي الإحباط والتجريح، فصارت ترى في الشعب عدوًا لا شريكًا، وتصفه — بكل أسف — بالغباء والقطيع!
فمن هو الغبي حقًا؟
أهو من يتمسك بمبادئه، ويسمو فوق جراحه، ويُقدِّم ما هو أسمى على ما هو أدنى؟
أم من يفعل عكس ذلك، ويظن نفسه الذكي الوحيد، فيما يرى الملايين من أبناء وطنه أغبياء ورعاعًا وقطعانًا؟
أنا هنا لا أوجّه الحديث إلى كاتبٍ بعينه، بل إلى تلك الجوغات والنائحات المستأجَرة التي دأبت على استجرار كل ما من شأنه تمزيق وحدة الجنوبيين وتباعد أهدافهم تحت يافطة “حق النقد” و”ادعاء الإصلاح”.
ولهؤلاء نقول:
إن من يثير المناطقية، ويُذكي الفتنة بين الناس، ويجتهد في تضخيم الأخطاء، ويتعمّد انتقاء سلبيات طرفٍ بعينه لأسبابٍ شخصية أو حساباتٍ خاصة — فذلك ليس مُصلحًا، ولا يمتلك ما يؤهله لهذا الادّعاء.