شارك الخبر
• بقلم: الدكتور عبدالباسط سعيد الغرابي
لقد وظَّف الشاعر الحضرمي مختلف أنواع الأسلحة باعتبارها رمزًا للشجاعة والقوة. وقد اشتهرت القبائل الحضرمية باعتزازها بأسلحتها، حتى انقسم المجتمع إلى شريحتين:
شريحة تحمل السلاح وتُعرف بشريحة القبائل، وأخرى لا تحمل السلاح وتضم الطبقات الأخرى في المجتمع الحضرمي.
تأثَّر شعراء حضرموت بهذه البيئة القبلية، فاستلهموا منها صورهم ومعانيهم، ووظَّفوا الأسلحة بأنواعها في قصائدهم ومساجلاتهم الشعرية. ومن بين أبرز هذه الأسلحة القديمة أو البيضاء: الجنابي (الخناجر)، السكاكين، اللمش، السيوف وغيرها. وقد جاءت كثير من القصائد لتُبرز الجنبية الحضرمية على وجه الخصوص، إذ تفنن الحضارم في صناعتها والتفاخر بها أمام القبائل الأخرى.
• التعريف:
الجنبية نوع من الخناجر العربية، ويُطلق هذا الاسم على الخناجر التي تُربط بحزام حول الخصر. وسُمّيت بهذا الاسم لأن الإنسان يضعها على جنبه.
تنتشر الجنبية في اليمن وعُمان وجنوب المملكة العربية السعودية، وتُستخدم زينةً وسلاحًا أبيض للدفاع عن النفس أو عند تلاحم المقاتلين.
• أنواع الجنابي الحضرمية:
تنقسم الجنابي في حضرموت إلى ما يلي:
1. القِديمي:
صغيرة الحجم، خفيفة الوزن، قصيرة، أكثر تحدبًا عند منتصف النصل، وأقل طولًا من الأنواع الأخرى، وتُستخدم في القتال القريب عند تلاحم المقاتلين.
2. القصبي:
أطول وأعرض من الجنبية القديمي.
3. القبلي:
طويلة نسبيًا، ويكون عرض نصلها بمقدار عرض كف اليد.
4. الحسيني:
تشبه القصبي لكنها أقل طولًا، وهي من الأنواع المنقرضة حاليًا ولا وجود لها في البيئة الحضرمية المعاصرة.
• مكونات الجنبية الحضرمية (الزُّهاب):
وقد قال الشاعر ابن سبيتي:
نصلة دويلة رأسها صيفان * كن الحد عتبه فل
ياريت باهيان ما لقى له كهبة * وتزهيب زين
1. الرأس (المقبض):
وهو ما يُميّز الجنبية عن الخناجر العادية؛ فبينما يكون رأس الخنجر فضيًّا، يتحدد ثمن الجنبية وقيمتها السوقية من مادة صنع رأسها.
ويصنع من قرن وحيد القرن، أو الوعل، أو سن الفيل، أو قرون البقر (وهي الأقل ثمنًا).
أشهر أنواع الرؤوس:
الصَّيفاني (الزراف):
ويُصنع من قرن وحيد القرن (الكركدن)، وسُمّي صيفاني لصفاء لونه. وهو أغلى الأنواع على الإطلاق وقد يصل عمر بعضها إلى أكثر من 500 سنة.
وقد وصفها الشاعر عوض بن سبيتي بقوله:
نصلة دويلة رأسها صيفان
الرأس العاجي:
ويُصنع من سن الفيل، وهو أقل ثمنًا من الصيفاني.
ويُزيَّن الرأس بقطعتين من الذهب تسمى المشاخص (أو الزهرتين)، وأعلاها تُسمّى الشمسية. وتُصنع من الذهب أو الفضة أو النحاس، وتُطلَى بالأصفر وتُحفر عليها زخارف جميلة.
وقد ورد وصفها في مساجلة شعرية في ستينيات القرن الماضي، قال فيها ابن السبيتي:
يا حلى مد فوقه قديمي دويلة * تلالي من المسقلة
رأسها عاج والتحضير ماكن * وخناق فوق الرأس معدول
فأجابه الشاعر حسين المحضار:
اللمشكلة الفل لي هو عتب الحد * ياريت مول السلب بدله
كل من قلّبه حصله باين * قال الحلأ عتبه والدول
2. النصلة:
وهي القطعة المعدنية الحادة ذات الوجهين، وفي وسطها خط مجوّف يُسمى العاير أو المعيرة، يسمح بدخول الهواء إلى الجرح فيُحدث تسممًا.
تُصنع من الحديد الهندواني المُعالج — ويشبه الفولاذ — ويُطرق ويُصقل فيحتفظ بلمعانه وحدّته فترة طويلة، كما تُصنع بعض الأنصال من المبرد.
وقد وصف المحضار الحديد الهندواني بقوله:
البعد سيفه حاد وحديده قسي هندواني
كم جرح الأكباد خلاها تصب دم قاني
كما يُطلق الحضارم على الجنبية اسم النصلة، كما في قول المحضار:
يا خير نصلة دويلة تلالي * من قبل ما تستقل
بغيتها ناموس رأسي عليها * عصرة وسكين
3. الغمد (الجفير):
وقد قال علوي المقدي:
أنا من طريقي ولا بارجــع * يتكفل الله بخلائقه
في ظلمت الليل نا باسري * والقديمي معي في الجفير
يصنع الغمد غالبًا من الخشب (مثل خشب التالوث أو العشار)، ويُغلَّف بالجلد وخيوط الخيزران، أو يُغلف بالزنك المطعّم بالذهب والفضة، وتُحفر عليه نقوش زخرفية جميلة.
وهناك نوع آخر يسمى الجفير الفضي، يصنع من الفضة على شكل حرف (ᴶ)، ومجوّف من الداخل، ومزخرف برسومات دقيقة.
4. الحزام:
يُثبت عليه الغمد في منتصفه، ويُلفّ حول الخصر، ويُصنع من الجلد، ويُزخرف بالخيوط الذهبية والفضية.
• متطلبات ارتداء الجنبية:
• العصرة:
قطعة قماش تُنسج من الحرير أو القطن، وتتميز بألوانها المخططة اللامعة. وقد وصفها الشاعر سعيد بن طيور بقوله:
سمر والسمر منصوف
وكل من حضر يخذ جبره وتقديره
ولا بي مخافة من كبار العصر
يدخلوا حومة الميدان
• السكين:
ترافق الجنبية وتوضع بجانبها ثم تُلفّ بالعصرة. وغالبًا تكون من المبرد (الأغلى ثمنًا)، أو من السكاكين الألمانية الصنع، وقد تكون أحيانًا رخيصة من الحديد أو القصدير.
• الرقص بالجنابي:
يتفاخر الحضرمي بجنبيته، ويُشهرها في المنافسة أو القتال أو الرقص الشعبي.
ويشتهر بذلك قبائل الحموم، وثعين، وسيبان، ونوح، والصيعر، خصوصًا في رقصة الشرح (المريكوز)، والشحيب، والحفّة.
ويقوم الراقص أحيانًا بنزع الجنبيه من غمدها ورميها عاليًا ثم استقبالها من مقبضها قبل أن تلامس الأرض في مهارة فريدة.
• صناعة الجنابي الحضرمية:
من أشهر الصناع “برامي”، ويُروى أنه رجل يهودي سكن قعوضة، وصنع 25 جنبية امتازت بالجودة والإتقان، ولا تزال تُعرف حتى اليوم باسم “شُغل برامي”.
كما اشتهرت أسر حضرمية أخرى بهذه الصنعة مثل بن يثرب، وآل العماري، وباهيان وغيرهم.
وقد خلد الشاعر حسين المحضار آل باقطيان في رائعته الشهيرة يا باقطيان:
ياباقطيان صلح لي زهاب الجنبية
مادمت فنان وصناعتك صنعة راقية
من قال صنعة من باقول صنعة باقطيان
كل من يحب الزين لا يسأل على الأثمان
نوح وسيبان والحمومي والزية
كندة وهمدان والمهرة وكل البادية
لي كيرهم يرشن وعاده لم يزل لاصي ورشان
كل من يحب الزين لا يسأل على الأثمان
【المكتبة الوثائقية الأميرية ـ الضالع】