شارك الخبر
كتب /
محمد ناصر مبارك
من بين أنقاض حرب تنظيم القاعدة التي شنت على محافظة أبين في عام ٢٠١١، لا تزال بعض الجروح تنزف، وجروح التعليم الفني والتدريب المهني من أعمقها، دمار ونهب واقتحام واحتلال لمعهد الأوراس للتعليم الفني والتدريب المهني بزنجبار وتجاهل إعادة الإعمار.
في مشهد يلخص مأساة التعليم الفني، يقف معهد الأوراس للتعليم الفني والتدريب المهني بمديرية زنجبار محافظة أبين، شاهداً صامتاً على دمار شامل طال الفصول الدراسية، ورش التدريب، والمباني الإدارية منذ حرب تنظيم القاعدة الذي شنته على زنجبار في عام ٢٠١١م.
هذه الأطلال كانت يوماً صرحاً تعليمياً شامخاً أسس في عام ١٩٨٣ وافتتح في عام ١٩٨٦ على نفقة دولة الجزائر الشقيقة، تخرج منه كفاءات مهنية في الميكانيكا والبناء والنجارة والكهرباء ساهمت في بناء المحافظة والوطن. لكن الحرب لم تدمر فقط جدرانه، بل أنهبت ممتلكاته ومعداته، لتحوله من منارة للعلم إلى ذكرى مؤلمة.
المأساة لم تتوقف عند الدمار والنهب. فبعد سنوات، تحولت هذه الفصول والورش المدمرة، بل وحتى مبنى الإدارة العامة لمكتب التعليم الفني بالمحافظة، إلى مساكن لعائلات نازحة. مواطنون أجبرتهم الحرب على ترك منازلهم، ولم يعوضوا من قبل صندوق الاعمار الذي بدد أموال التعويضات في عام ٢٠١٤ ولم تضع سلطتان توالت على ادارة المحافظة حلولا لتعويض المواطنين لاعادة اعمار منازلهم المدمرة، فوجدوا في هذه الأنقاض ملاذاً مؤقتاً، جعل عملية إعادة التأهيل مستحيلة. وعجزت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتعليم الفني والتدريب المهني، عن تقديم حلول جذرية. حلول لإخراج المحتلين، وإعادة بناء وتأهيل وتجهيز هذا الصرح التعليمي الحيوي.
يتجلى التساؤل الأبرز .. أين كانت مخصصات إعادة الإعمار التي صُرِفت في عهد المحافظ الأسبق جمال العاقل، والتي بلغت مليارات الريالات، ولم يصرف لمعهد الأوراس منها فلسا واحدا؟ فخلال فترة ولايته، بقي المعهد غارقاً في دائرة الإهمال، على الرغم من توفر المبالغ الطائلة المخصصة لإعادة بناء ما دمرته الحرب. ولم يأتِ عهد خلفه، الدكتور الخضر السعيدي، بأي حلول جذرية، فاستمر نفس المشهد: مباني وورش مدمرة، ومنهوبة، وأروقة تحولت إلى مساكن للنازحين، دون أي تحرك حقيقي لإعادة الحياة إلى هذا الصرح التعليمي الحيوي. وهكذا، مرت سنوات الدمار تحت حكم محافظين متعاقبين، كان بإمكان أي منهما قلب المعادلة وتحويل صفحة الدمار إلى صفحة إعمار، لكن الإرادة السياسية لهذين المحافظين والتنفيذية والولاء والانتماء لهذه المحافظة كانت غائبة.
رغم ذلك لم يكتنف اليأس إدارة المعهد، ولم تستسلم، في قصة تبعث على الأمل، عمدت ادارة المعهد ممثلة بالمديرية الاستاذ عدني باهادي بجهود شخصية إلى استغلال المطبخ القديم للمعهد. قاموا بترميمه وتقسيمه إلى فصل دراسي، وورشة متواضعة لقسم التمديدات الكهربائية، وإدارة، ومستودع.
واليوم، يطفو سؤالاً ملحاً على السطح .. وبعد ١٤ عاما من الدمار هل سيكون إعادة إعمار “معهد الأوراس” في حقبة المحافظ الثالث لمحافظة أبين اللواء الركن أبوبكر حسين سالم وهل سيستطيع بعزيمته ووفاءه واخلاصه لأبين وأهلها، القدرة على كسر حلقة الإهمال التي سادت في عهدي العاقل والسعيدي؟
الجميع في أبين، وخاصة شبابها الطامح إلى تعليم مهني يضمن له كرامة العيش، ينتظر إجابة عملية على هذا السؤال. إنها فرصة تاريخية للمحافظ أبوبكر حسين ليثبت أن ولايته ستكون مختلفة، وأن قضايا التعليم الفني – التي هي في صميم بناء الإنسان والاقتصاد – ستجد طريقها الحقيقي نحو الحل.
قصة معهد الأوراس تذكرنا بأهمية التعليم الفني والتدريب المهني، الذي يعد عصباً للتنمية، وخاصة للشباب والفتيات الباحثين عن فرص حقيقية في سوق العمل. إنه الاستثمار الأجدى في مستقبل البلاد، وبناء اقتصاد قائم على المهارات والكفاءات.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم .. متى تتحول الآمال إلى واقع؟ متى سيعيد محافظ أبين ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي لبنات إعادة إعمار و بناء وتطوير معهد الأوراس، أحد أهم منظومة مؤسسات التعليم الفني في المحافظة؟
إعادة إعمار “الأوراس” ليست مجرد مشروع إنشائي، بل هي رسالة أمل للشباب، واختبار حقيقي لإرادة التغيير، واستثمار في الإنسان واستقرار المحافظة وتنميتها. إنها خطوة ضرورية لتوجيه الطلاب نحو مسارات مهنية تلبي احتياجات سوق العمل المحلي، وتعزز جودة مخرجات التعليم الفني في محافظةأبين.
فهل سنشهد في عهد المحافظ اللواء الركن أبوبكر حسين البداية الحقيقية لبعث معهد الأوراس من تحت الأنقاض؟ أم سيستمر في طي النسيان ؟

