شارك الخبر
دلتابرس.
يظلّ الأستاذ محمد بن محمد الرشيدي (أبو خالد) واحداً من الأسماء التي تُلهم الاحترام وتستدعي التقدير كلما ذُكرت سيرته، فهو ليس مجرد إداري ناجح أو اقتصادي متمكّن، بل هو مدرسة في الالتزام والجدية والعمل المؤسسي الرصين. يمتلك ثقافة واسعة، وعقلاً اقتصادياً متيقظاً، وكفاءة إدارية اقترنت بالنجاح أينما حلّ، حتى غدا نموذجاً للعمل المنظم والمتقن.
في يافع، وخلال عقدي السبعينات والثمانينات، لمع اسم الرشيدي وارتبط بمرحلة ازدهار العمل التعاوني في المنطقة. لقد كان أحد أهم أعمدته، ولا تزال نجاحاته حيّة في ذاكرة المجتمع المحلي. ويكفي القول إن تعاونية لبعوس الاستهلاكية حققت أزهى نجاحاتها عندما تولى رئاسة مجلس إدارتها، فانتقلت من مرحلة التأسيس المتواضع إلى مؤسسة اقتصادية متقدمة، قادرة على الاستيراد وتوفير احتياجات الناس بثقة وكفاءة.
ويأتي في مقدمة الشهادات التي تؤكد مكانته شهادة مأمور المديرية حينها يوسف عبدالله سعد، الذي كتب عنه في مذكراته بإعجاب بليغ، مؤكداً أن نجاح التعاونية لم يكن ممكناً لولا وجود هذا الرجل المحنك، الذي ضبط الحسابات بدقة، وأعاد هيكلة الإدارة، واستطاع قيادة توسعها ليشمل مختلف مناطق مركز لبعوس. وقد وصفه بأنه “الكادر الذي لولاه لوقعت التعاونية في الأخطاء التي وقعت فيها تعاونيات أخرى أصغر شأناً”، وجاء في مذكراته بالنص:
“طلبت الأخ محمد بن محمد علي زيد، الساكن قرية (لقمر آل رشيد) بجانب سوق 14 اكتوبر ليحل محل الأخ عبدالقوي صالح غرامة، لأنه قد سبق له أن عمل محاسباً في أحد البنوك بالسعودية من قبل، وتم الحصول على موافقته ليكون المحاسب العام للتعاونية ولكنه اشترط أن تتحول الإدارة من سوق السلام إلى سوق 14 اكتوبر بالقرب من منزله، ومن جانبي قبلت بهذا الشرط حُبّاً في تنظيم العمل التعاوني، رغم المتاعب التي ستواجهني شخصيا من حيث بُعد المسافة من منزلي إلى الإدارة حيث ستكون ضعف ما كانت عليه من قبل وعليَّ أن أقطع هذه المسافة ذهاباً وإياباً مشياً على الأقدام لعدم وجود سيارة نقل صغيرة مع التعاونية خلال المرحلة الأولى من تأسيسها، ومع ذلك كنت مرتاح الضمير، وأقولها وبكل صراحة أنه لولا وجود الأخ محمد بن محمد علي زيد الرشيدي لما تمكنت التعاونية من تحقيق النجاح، حيث استطاع أن يضبط حساباتها بشكل دقيق، رغم توسع عملها في مجال الاستيراد، حيث بلغت المواد التي تستوردها أكثر من خمسين صنفاً وأكثر ، كما تم افتتاح فروع جديدة في كل مناطق مركز لبعوس، ولولا هذا الكادر المحنك على رأس حسابات التعاونية، ومعه أيضاً سقاف عبدالقوي وعلي أحمد ناصر وثابت عفيف لوقعت التعاونية في كثير من الأخطاء وتعرضت للفشل مثل بعض التعاونيات الأخرى التي هي أصغر بكثير، ولذلك أقدم له الشكر والتقدير على ما بذله من جهود وكذلك زملائه الآخرين منذ تأسيس التعاونية عام 1972م وحتى قيام الوحدة عام 1990م”.
بعد الوحدة، انتقل الأستاذ الرشيدي إلى مجموعة الشيخ عمر قاسم العيسائي في المملكة العربية السعودية، فوجدت المجموعة فيه الشخصية الكفؤة التي تبحث عنها، ومنحته الثقة والمسؤولية الرفيعة التي يستحقها. وشغل منصب نائب رئيس المجموعة، ومارس دوره بخبرة متمرسة، ودقة متناهية، وحرص كبير على لغة الأرقام والوقائع، واضعاً معايير عالية في الإدارة المالية والرقابة المهنية.
ولم يتوقف عطاؤه عند المجال الاقتصادي والإداري؛ فقد كان أحد الرجال الذين حملوا همَّ التعليم في يافع. فمنذ أن كانت كلية التربية يافع مجرد فكرة وليدة، كان الرشيدي من أبرز الداعمين لها، وشارك بفعالية في تحويلها إلى واقع. تابع مراحل التأسيس، وأشرف على الدعم السخي الذي قدمه الشيخ عمر قاسم العيسائي، والذي كان له الفضل الأكبر –بعد الله تعالى– في ولادة هذا الصرح العلمي.
ولم يغب حضوره عن حفل افتتاح الكلية عام 1998م، حين مثل الشيخ عمر وألقى كلمة هامة باسمه في ذلك الحدث المهيب. وتواصل اهتمامه بالكلية حتى نال شهادة تقديرية من عمادتها، عرفاناً بدوره الفاعل ومتابعته المستمرة لاحتياجات الكلية وتطويرها.
ولم تشغله مكانته ومسؤولياته عن دوره المجتمعي، فقد كان أحد الداعمين الرئيسيين لعمل مؤسسة يافع للتنمية البشرية، وأسهم في معالجة الكثير من الإشكالات التي واجهت المدارس في ظل الظروف المضطربة التي مرت بها البلاد.
وأذكر بفخر موقفه العظيم في مناسبة حفل تكريمي في منزل الشيخ عبدالحكيم السعدي الذي خصّني بالنسخة الأولى من جائزة نجله فقيد العلم (أحمد عبدالحكيم السعدي، رحمه الله) للتفوق، مطلع عام 2014م حيث استغل وجود رجال الأعمال والخير في تلك المناسبة ليضع أمامهم معاناة المدارس الثانوية في يافع بسبب نقص المدرسين. وفي لحظات معدودة، وبأسلوبه المقنع وكلماته الصادقة وبمبادرة منه ، فُتح باب التبرع لسد هذا العجز، وبدأ بنفسه، ثم توالت التبرعات من رجال الخير حتى جرى اعتماد رواتب تعاقدية لـ 337 معلماً ومعلمة خلال أقل من ساعة. مبادرة لم تكن عابرة، بل كانت دليلاً على إحساسه العميق بمسؤولية خدمة المجتمع.
ورغم أن الأستاذ محمد بن محمد الرشيدي قد تقاعد بعد رحلة طويلة ومحطات هامة كان عنوانها النجاح، فإننا نذكره بكل فخر لبصماته الطيبة الممتدة في الإدارة والاقتصاد والتعليم والعمل الخيري. نتمنى له مديد العمر والصحة والتامة.. ولمثله ترفع القبعات ..
د.علي صالح الخلاقي